وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما
قد تزوج عاتكة بنت عمرو بن نفيل
وكانت من أجمل نساء قريش
وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجهاً
وأبرهم بوالديه
فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حباً شديداً.
فثقل ذلك على أبيه..
فمر به أبو بكر يوماً، وهو في غرفة له، فقال:
يا بني إني أرى هذه المرأة قد أذهلت رأيك، وغلبت على عقلك، فطلقها !
قال: لستُ أقدر على ذلك !
قال: أقسمت عليك إلا طلقتها !!
فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها،
فجزع عليها جزعاً شديداً، وامتنع عن الطعام والشراب،
فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن
فمر به يوماً، وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس
ويقول هذه الأبيات :
فوالله لا أنساكِ ما ذرَّ شارقٌ ... وما ناحَ قمري الحمام المطوق
فلم أرَ مثلي طلقَ اليومَ مثلها ... إلا مثلها في غير شيء يُطلق
لها خلق عفّ ودين ومحتد ... وخلق سوي في الحياء ومنطق
فسمعه أبوه فرقَّ له وقال له :
راجعها يا بني،
فراجعها، وأقامت عنده حتى قتل يوم الطائف مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم حيث أصابه سهم فقتله
فجزعت عليه جزعاً شديداً وقالت ترثيه :
فآليتُ لا تنفكُّ نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فتى طول عمري ما أرى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت في الأسنة خاضها ... إلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا
وحدّثَ يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن عبد الحكم
عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال:
تزوج رجل امرأة جديدة على امرأة قديمة
فكانت الجارية الجديدة تمر على بيت القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشُلّت
ثم تعود وتقول:
وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديدُ
فمرت الجارية القديمة على باب الجديدة يوماً وقالت:
نَقّل فؤادك ما استطعتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأول
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأولِ منزل
* * *