أكثر من (60) عاما وأنا في غفلة من أمري .. كنت أحسبني لا أزال يافعا .. ذلك لأن روحا فطولية تتملكني وأنا دائم الابتسام طالما أنني في أمان.
مددت يدي بعد الستين عاما وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما وسبع ساعات وخمسين دقيقة وثلاث وثلاثين ثانية لأقطف ورقة تقويم (نكبة) كنت وقتذاك في الشهر الأخير من العام الذي بدأ يلفظ بسرعة مجنونة أنفاسه الأخيرة .. أمسكت ورقة التقويم وقلما من نوع رخيص وقمت بعملية حسابية شبه معقدة .. خصم عام كذا من عام كذا .. النتيجة - بعد صعوبة - محبطة .. (60) عاما بالتمام والكمال .. الفرق شاسع مابين الشيخوخة المبكرة والطفولة المتأخرة .. أحسست بضربة قلب سرعان ماتبددت حيث تأكد لي أنني لم - أبلغ بعد - سن عم منصور الشهير بـ (وجه البعير ) صاحب العمارة المتهالكة التي أسكن في (خن) خجول منها .. والبالغ السبع وسبعين..!
ونحن في ركضنا الأحمق المستمر لاندرك أين نحن .. وأين مواطئ أقدامنا.. بل وكم بلغ العمر الآن ..؟!
(60) عاما يا مفتري.. وأنت مازلت تأكل وتشرب .. تكد وتتعب.. تبكي وتضحك .. تغضب وتفرح .. بل لا تزال نبضات قلبك القديم تعمل .. تعشق وتكره .. تلهو وتتعبد .. تحقد وتصفح .. وكأنما كل هذه الدنيا - ياداشر - لك..؟ّ!
لم أك - حتى هذه اللحظة - أدرك أنني وشيك الاحتكاك بخط النهاية وأنا مثل أرنب مذعور.. يركض .. ويركض .. ويركض دون اتجاه أو صوب .. تأكد لي ضعفي وأنا أمام هذا التقويم النكبة..!
رميت الورقة بعد أن مزقتها وأودعتها سلة المهملات .. ثم قذفت بالقلم من طاقة غرفتي المظلمة .. وأسندت وجهي إلى الجدار الرمادي .. و.. غفوت.
(60) عاما يا بائس تمضي وأنت في غفلة من أمرك .. ستون عاما تمضي وأنت تمضي إلى أين ياحسرة ..؟ لا أنت ولا أنا ولا أي أحد يدري..!
صحوت من غفوتي .. نحت على الفضاء اسمي .. ثم أبيات شعر تذكرتها في مضجعي..
نسير إلى الآجال في كل ســاعة
فأيــامنا تطــوى وهــن مراحـــــل
ولم أر مثــل الموت حتى كأنـــه
إذا مـا تـــخطــته الأمــاني باطـــل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا
فكيف به والشيب في الرأس شاغل
ترحل من الدنيا بــزاد من التـقى
فعمــرك أيــــام تعـــد قــــلائــــــل
وقفة:
حررت هذا المشهد في الوقت بدل الضائع..!

