عروش مهزوزة

يحتوي على كل أنواع القصص والأحداث الواقعية الشخصية .

المشرف: بانه

صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

الليلة ... ليلة شتوية من ليالي الخرطوم الجميلة ...في أوائل شهر ديسمبر

هنا قرب ضفة النهر تقبع قهوة (خليها على الله) ... قهوة قديمة وعتيقة يقال أنها أنشئت في عهد الإنجليز
وما زالت تقاوم متغيرات الزمن حتى يومنا هذا ..

تتكون من (أوضة) صغيرة يتم فيها تجهيز طلبات الزبائن من شاي وقهوة وشيشة وغيرها ... ثم برندة طويلة تنتشر فيها الكراسي والترابيز وتموج بالزبائن وترتفع منها صيحاتهم وضحكاتهم وفرقعات النرد على لعبة الطاولة وطرقعات قطع الضُمنة ..

وأمام البرندة تمتد ساحة فسيحة تلامس خاصرة النهر فيستمتع رواد القهوة بالنسمات الباردة التي يمنحها لهم النهر ..
ويتابعون مراكب الصيادين التي تمر أمامهم من على البعد بين الحين والآخر ..
وليلا ً تتجمل صفحة النهر بأنوار ذاك (الكبري) الواقع على يمين الناظر والذي شق صدر النهر ليصل بين ضفتيه .. فترى أنوار العربات وكأنها الأنجم السواطع تقطعه مجيئا وذهابا ..

أمام (الأوضة) وفي وسط البرندة توجد تربيزة غليظة وكرسي مرتفع يجلس عليه (المعلم) صاحب القهوة ..
وفوق رأسه في أعلى جدار الأوضة يافطة مكتوب عليها بخط ركيك جدا ( قهوة خليها على الله)

أما داخل الأوضة فتوجد بعض الأرفف وقد وضعت عليها علب كثيرة تحتوي على السكر والبن والزنجبيل والشاي والقرفة والقرنفل وكل مستلزمات (ظبط المزاج)
وفي الركن توجد خراطيم وقطع الشيشة ... وفي الركن الآخر تتعالي جوالات الفحم المرصوصة

نهارا تكتظ البرندة بالزبائن الذين يتوافدون على القهوة منذ الصباح الباكر ثم تخف أعدادهم عند الضحى لذهابهم لأعمالهم
ويجتمعون مرة أخرى عند الظهيرة ثم يتفرقون للغداء وتعود طائفة منهم عند الغروب ...
عندها يتم إخراج معظم الكراسي والترابيز في الساحة أمام البرندة وعلى مرمى حجر من النهر ...
حيث الهدوء والهواء الطلق والنسمات المحملة برائحة النهر ..والإضاءة الخافتة
وتبقى هناك بعض الكراسي في داخل البرندة لعشاق الضمنة والطاولة والكتشينة
أما الغالبية فتكون خارجا ً لأصحاب الأجواء الطبيعية والشيشة ...

عدد الزوار ليلا يكون أضعافا مضاعفة ... وكذلك يتضاعف الضجيج داخل البرندة
وكركرة الشيش تناغم ذاك الضجيج وتناجيه من الساحة قرب النهر ... كما تتناجى الديكة فجرا ...


يتبع .......
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

هنا في قهوة (خليها على الله) يتناقض المشهد في المساء ...
ضجيج وفوران وضياء داخل البرندة ... وخارجها هدوء وفتور وخفوت وجمرات مشتعلات وأعمدة دخان رفيعات متأرجحات ... وخراطيم تشدها أنفاس متباينة ما بين السعادة والحزن والحداثة والإدمان .

الوجوه هنا تكاد تكون مألوفة من كثرة التردد على هذا المكان ..
حتى طلبات الزبائن باتت محفوظة ... هذا يشرب قهوة سادة وهذا بالحليب وهذا بدون سكر وهذا شاي وهذا شيشة ....
حتى صارت طلباتهم تقدم إليهم بمجرد جلوسهم ...
الوجه الجديد هنا يكون بائنا ... وقد شاهدتُ اليوم وجها جديد

هناك في آخر المقاعد الخارجية تقدم رجل يمشي بخطوات وئيدة ... سحب أحد الكراسي وجلس قبالة النهر وأدار ظهره للقهوة بمن فيها وكأنه أستغنى بالنهرعن كل البشر ..

لم أستطع أن أتبين ملامحه جيدا .. ولكن الفضول دفعني للإقتراب منه بحذر ... كان بين منكبيه إتساع وأنا أقترب منه من خلف ظهره ..
ثم أستدرت من أمامه وكأنني آخذ أحد الكراسي ... ونظرت إليه بتمعن ..
كان في منتصف الثلاثين من العمر تقريبا .. يرنو ببصره إلى ذاك الكبري ثم يعود بعينيه إلى النهر ...
كانت نظراته بطيئة .. وكانت أنوار العربات المنبعثة من ذاك الكبري تضيء وجهه تارة فتارة ..

كان مستدير الوجه جميل الحواجب والشارب .. مصقول الأنف .. أنتشر الشيب على جانبي رأسه فكساه وقار وزاده جمال ... يرتدي قميص مرتفع الأكمام كشف عن ساعدين مفتولين ..
رأيته رجلا غاية في الوسامة والهدوء ..
ظللت أبحلق فيه ونسيت نفسي ... فأنتبه لوجودي فألتفت إلي نصف إلتفاتة وباغتني بنظرة مباشرة في عيني ..
فإرتبكت وترنح الكرسي في يدي ..
هنا سمعت صوت (المعلم) صاحب القهوة ينادي : يا ولد
فقلت بأعلى صوتي (أيوه جاااااااااي)

فقد كنت أنا الولد المقصود ....... فأنا صبي هذه القهوة ... وخليها على الله .




يتبع .........
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

لبيت طلبات بعض الزبائن وأمر ذلك الرجل الغريب يشغل بالي ..
لا أعرف سر تلك الهيبة والرهبة التي تملأني بمجرد النظر إليه .. إقتربت منه وإقتحمت عليه خلوته بالنهر قائلا :
- طلباتك يا سيد ؟
لم ينتبه لي فما زالت نظراته ثابتة على النهر أو على العدم ... لست أدري
فطرقت على (الصينية) الصغيرة التي أحملها معي ... فإنتبه وعاد من شروده فقلت :
- تشرب شنو ؟
إعتدل في جلسته فقد كان يضع قدما على قدم .. وتنحنح قليلا حتى يستعيد طبقات صوته بعد هذا الصمت الطويل ثم قال بهدوء :
- إنت عندك شنو ؟
فأندفعت أقرأ له قائمة الطلبات عن ظهر قلب وبكل جدية ومهنية :
- قهوة سادة قهوة بالحليب شاي نسكافي حلبة كركدي يانسون قرفة بالحليــ ..
فاشار لي بيده أن أتوقف وهو يبتسم ... ويقول :
- طيب لازم أشرب حاجة يعني ؟
فقلت وقد أعجبتني ملاطفته غير المعتادة من الزبائن :
- لا يا سيد ما لازم ...... طيب أجيب ليك شيشة ؟
- لا شكرا ...... بس فنجان قهوة لو ممكن .
- والسكر ؟
- السكر خفيف لو سمحت .

أنصرفت من أمامه وأنا أتعجب من تهذيبه وظرفه ... يقول لي أنا ( لو سمحت) ... أول مرة يقولها لي أحد
أنا (الحيطة المايلة) لكل الزبائن هنا ... وهذا يقول لي لو سمحت ...
أعجبتني الكلمة جد وشعرت بقيمتي بين الناس ... الناس هنا يتذمرون في وجهي وربما يسبوني إذا إختلفت أو تأخرت طلباتهم ... لا ينظرون إلى آدميتي بينهم أبدا ...... أنا بينهم آلة تلبي لهم طلباتهم لا حس لها ولا إحساس ..
هذا الرجل الوسيم بذوقه وأخلاقه آسعد آدميتي وجبر كسر جناح إنسانيتي المهيض ..
كلمة واحدة فعلت بي مفعول السحر ... وتمنيت لو كل الناس مثله
أحضرت له القهوة ولم يطلب شيئا غيرها سوى كوب ماء ...وإستمر في عزلته وتأملاته


بدأ رواد القهوة بالإنصراف جماعات ووحدانا ...ومضت الساعات الأُول من الليل وصاحبنا في جلسته تلك حتى ظننته نام
فدنوت منه فوجدته مازال يحدق بتلك العينين الثاقبتين ...

ناداني المعلم وطلب مني فعل بعض الأشياء صباحا ... وأوصاني بغلق باب القهوة جيدا ثم أخذ النقود وأنصرف ..
بدات في تجميع الكراسي والترابيز وإدخالها إلى تلك الأوضة ... وغادر الجميع إلا ذاك الرجل العجيب ..

دائما يكون الزبون الذي يجلس إلى هذا الوقت أثقل الزبائن على قلبي ... لأنه يقف عائقا بيني وبين راحتي بعد يوم شاق وعمل مجهد ..
ولكني لم أشعر بهذا الإحساس مع هذا الزبون الغامض .. وددت لو تعرفت عليه ... وكشفت غموضه فلا شك انه يحوي الكثير من الأسرار
وبدأت خلايا الفضول تنتشر في روحي وجسدي ... وأحسست بأني مقدم على مغامرة

أقتربت منه وقلت بصوت هاديء محاولة مني في تقليد هدوئه ... :
- الأستاز لسه حـ يقد شوية ؟ لسه ما خلص تفكير ؟
إلتفت إلي وقال مبتسما كعادته :
- لسه .. ومن متين التفكير بيخلص ؟ عايزين تقفلوا ؟
- الناس كلها مشت .. باقي أنت بس .
- معليش أخرتك معاي .
- لا في مشكلة ... بس أنت مالك ؟
نظر إلي بإستغراب وقال :
- مالي ؟ مافي شي ..
- من قبيل قاعد وحداني وساكت ساي .. أنت غريب من البلد دي مش كده ؟
- لا ما غريب .. أنا من هنا
قلت وقد ملأتني الدهشة :
- أنت من الخرطوم ؟
- أيوه
- أول مرة أشوفك
- يعني أنت بتشوف كل الناس الـ في الخرطوم ؟
- لا طبعا ... بس قصدي أول مرة أشوفك هنا .
- صحيح ...... لي فترة طويلة كنت خارج البلد .. بس أنا مولود هنا ..شايف الكبري داك
- آي
- لما كان عمري 18 سنة كنت بقطعه جري ذهاب وعودة ... رياضة يعني .
ثم ضحك ضحكة صغيرة وقال :
- أيام الشباب
- ما زلت شباب يا زول
ضحك مرة أخرى بسخرية وقال :
- الشباب شباب الروح
ثم أستدرك قائلا :
- طيب أنا حـ أمشي وأنا آسف على التأخير .

أحسست بحزن خفي عندما أراد الإنصراف فقلت له مبادرا :
- أجلس وخد من الراحة ما تشاء ولكن هل تمانع لو جلست معك في هذه الليلة وكنت سميرك ؟ فحديثك يعجبني .
- بكل سرور وأتشرف بك .

ما هذا التواضع الذي يحمله هذا الرجل .. يتشرف بي وأنا صبي القهوة ؟ وهو على ما هو عليه ؟
رغم أني إلى الآن لا أعرفه ولكني أجزم بأن به شيء مميز .

هرولت وأتيت بكرسي وجلست قبالته أمني النفس بقضاء سهرة ممتعة فإني أعشق الحكاوي منذ الصغر ..
فقد ذهب الفتور وتحفزت النفس لكشف أستار ذاك الرجل و الولوج إلى عالمه الغامض .
صورة العضو الرمزية
مرسال الشوق
مشاركات: 14746
اشترك في: الاثنين 2009.11.2 3:49 pm
مكان: عارفني منــــــــــــــك

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة مرسال الشوق »

واصل بدون ماتفاصل ...
سحتفته روحنا ....
:022: :022: :022:
نحن ف الانتظار
صورة العضو الرمزية
waya
مشاركات: 14068
اشترك في: السبت 2007.8.11 11:15 pm
مكان: على سفر

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة waya »

سجل متابعة يا ملك ,,,,
.
.
تشكراتي ,,
صورة العضو الرمزية
ميسم
مشاركات: 2443
اشترك في: الأحد 2012.4.22 8:59 am
مكان: جدة

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة ميسم »

سأتابع حتى النهايه......

لك تقديري وكل احترامي استاذ طلال....

دمت بسعادة ان شاءالله....
صورة العضو الرمزية
بانه
مشاركات: 11781
اشترك في: الأحد 2012.10.14 7:37 pm
مكان: ارض الله الواسعة

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة بانه »

متابعه ان شاء الله happy0005.gif happy0005.gif
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

أحبتي
مرسال الشوق الرجل الذوق
وايا كريم العطايا
ميسم وعبيرها الأنسم
بانه بنورا منورانا
في حضرتكم يطيب الجلوس ويحلو السمر
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

ظللت أرقبه بنظراتي وهو صامت لا يتكلم ... يقلب بين أصابعه قلما كان في جيبه ويطرق به على التربيزة أحيانا طرقا خفيفا ..
ثم رفع رأسه وقال بكل بشاشة :
- عايزنا نتكلم عن شنو ؟
لم أتحير في أختيار الموضوع ولم أتردد فأنا في بداية العشرين من العمر ومازالت تنتابني أعراض المراهقة المزمنة فقلت :
- نتكلم عن الحب
إبتسم أبتسامة عريضة جدا ..
حتى بانت نواجزه وكشفت عن أسنان منتظمة ناصعة البياض .. ليست مثل أسناني التي حاكت (قوس قزح) في تخبط الألوان ... فلا تعرف لها أصفر من أحمر ..
لعنة الله على الشيشة وإدمان القهوة ..... فاليوم فقط عرفت أن إبتسامتي إبتسامة مدمرة .
ثم قال وهو يحاول أن يسيطر على إبتسامته التي لا أعرف سرها ... ربما أكتشف أعارض المراهقة بداخلي ... ففي عينيه ذكاء حاد .. تبسم وقال :
- ولماذا الحب بالذات ؟
- لدي أحساس بأنك ذو خبرة به ودراية
- ومن أين أتاك هذا الإحساس ؟
- لست أدري ... ربما لوسامتك .
خفض عينيه وعلت جبينه مسحة حياء رقيقة .. ثم عادت له نظراته الثاقبة وقال :
- شكرا لك على ذوقك ... ولكن ما دخل الوسامة في الحب ؟
- الرجل الوسيم يعجب النساء والنساء هن الحب ... والعكس صحيح ..

صمت قليلا وفارقت البسمة شفتيه وأستقرت على عينيه ثم أعتدل في جلسته وقال :
- هذا مفهوم خاطئ ... كثير من الناس يربط بين الحب والجمال ... ولكن ليست بالضرورة أن تتعدد علاقات الرجل الوسيم ولا يلزم المرأة الجميلة أن تحب أكثر من مرة ... صحيح أن العيون تحب الجمال .. ولكن عيون القلوب تختلف عندها مقاييس الجمال عن مقاييس عيون الوجوه ... عين الوجه تحب جمال الجسد ... وعين القلب تحب جمال الروح ..
- وأي العيون أفضل في نظرك؟
- عين القلب ...
- لماذا ؟
- لن جمال الروح هو الباقي
- إذن أنت لا تهتم لجمال الجسد ؟
- ومن قال هذا ؟ بل أهتم به ... ولكني لا أقدمه على جمال الروح أبدا ..

صمت قليلا وأستطرد قائلا :
- فساد الروح يفسد جمال الوجه ... أو بصحيح العبارة يجعلك لا تراه مطلقا أو إذا رأيته لا تراه جميلا ... فكم من رجل وسيم وإمرأة فاتنة يعيشان في جحيم ... وكم من متوسطي جمال وجه ... رفيعي جمال روح يعيشان في جنة .

- أتفقنا إذن على تقديم جمال الروح .. فالنواصل حديثنا عن الحب
- الحب يا عزيزي نوعان ... النوع الأول حب غريزي ..مثل حب الوالدين والأبناء وما شابه ... وهذا النوع في الغالب لا مشاكل فيه ..
قاطعته بلهفة :
- والنوع الثاني ؟
- النوع الثاني هو الحب المكتسب ... مثل حب الزوجة لزوجها , حب المال والجاه والشهرة ... وهذا الحب لا يكاد يخلو من المشكلات ..
فقاطعته مرة أخرى :
- أليس حب الزوجة لزوجها حب غريزي ؟
- لا ... كن دقيقا في اللفظ حتى يأتي المعنى دقيقا ..
- وكيف ذلك ؟
- ركز معي ... حب المرأة للرجل هو الحب الغريزي أما حب الزوجة لزوجه فهو حب مكتسب .
حككت رأسي وتململت في جلستي فقد إختلطت علي الأمور ولم أستوعب كلامه ... فما هو الفرق بين المرأة والزوجة ... وقد أحس بي فقال :
- ركز معي أكثر ... مشاعر الفتاة في طفولتها ونظرتها للرجل تختلف إختلافا كليا بعد نضوجها وصيرورتها أنثى ....... تمام ؟
- تمام
- بعد إكتمال أنوثتها يظهر لها الحب الغريزي للرجل وهذا هو النوع الأول من الحب الذي تحدثنا عنه سلفا .. تمام ؟
- تمام
- حبها الغريزي هنا يكون مبهم لرجل مبهم ... تشعر بمشاعر لرجل ولكن لا تعلم من يكون ... وما أن يتحدد لها رجل بعينه ويظهر أسمه حتى يتحول الحب من الحب الغريزي الذي أشرت أنت إليه إلى حب مكتسب ... وهنا ينتقل الحب من حب المرأة للرجل إلى حب الزوجة لزوجها ... هنا تظهر أهمية الدقة في اللفظ التي ذكرتها لك سابقا ... وهنا تبدأ المشاكل تظهر (إن وجدت) مع بداية بزوغ شمس هذا الحب ....
يبدأ هذه الحب صغيرا ثم يكبر وينمو بمرور الأيام وتوالي المناسبات والأحداث ..وكما أن الأيام يمكنها أن تنميه فهي أيضا بمقدورها أن تهدمه ..... الحب ينمو بالرعاية والإهتمام والشوق والرحمة والإلفة ويموت بالتجاهل والإهمال وزيادة الغيرة ونقصانها وغيرها من مهلكات الحب .. وأكبر دليل على أن هذا النوع من الحب هو حب مكتسب ... هو ما يحدث بعد موته ... فمن الممكن أن تحب المرأة مرة أخرى حبا أجمل وأعظم إذا فشل حبها الأول ... وتكتسب حبا وقلبا جديدا ... وكذلك يفعل الرجل ... أما الحب الغريزي فهو حب ثابت لا يتحول ولا يتغير ... كـ حبك لأمك مثلا .

ظللت أنظر إليه بإعجاب وتعجب وكثير دهشة ... فقد كان يتحدث بكل هدوء وطلاقة وترتيب أفكار ...
وكأنه كان يعلم أنني سأجالسه وأسامره في هذه الليلة فأعدّ هذا الحديث .. وبالطبع لم يكن يعلم ...

كان صوته رخيما فخيما يبعث الطمأنينة في النفس ويشرح الصدر ..
وكم تمنيت لو أنه لم يتوقف عن الكلام الذي لا أعلم في الأصل من أين يأتيه بهذه السلاسة والعذوبة ..
ولكنه توقف وعاد لصمته القديم .....

أما أنا فلن أدعه وشأنه ... وسأواصل نتف ريش صمته نتفا ... وأنبش أسرار صدره نبشا
صورة العضو الرمزية
dream-lady
مشاركات: 25355
اشترك في: الجمعة 2011.4.29 10:32 pm
مكان: الرياض

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة dream-lady »

متابعة لصيقة بانصات...

منذ الوهلة الاولى...اجتذبتني هذه الاسطرالخلاقة

ولحظة عن لحظة...تشتد الاثارة...واللهفة

واصل ياطلال...ابداعك
صورة العضو الرمزية
mihrab
مشاركات: 565
اشترك في: الثلاثاء 2009.10.20 11:27 am
مكان: الاحلام

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة mihrab »

مجموعة سطور من الابداع مستمدة من مبدع حقيقي
ادرك ان البساطة اساس الابداع

اكمل اكمل فعروشنا ايضا مهزووزة من غير ابداعك
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

الرائعة دريم ... لا أخفيك انني كنت أترقب حضورك (وجيت وإكتملت بيك اللوحة)
الصغيرة محراب ... تسعديني كثيرا بـ طلاتك العطرة .. وتقيميني بها في محراب الجمال
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

هبت نسمات باردة وعم السكون المكان حتى ذاك الكبري بدا خاليا من العربات وكأنه يسترق السمع إلينا ...
تعالت أصوات لمجداف مركب وظهر لنا سواده من بعيد على أضواء الكبري المنعكسة على صفحة النهر يشق طريقه بهدوء في تلك الساعة المتأخرة من الليل ..
نظرت إلى نديمي فوجدته قد ربّع يديه وضم ساعديه إلى صدره بعدما هبت تلك النسمات الباردة ...ومازالت عيناه تلمع بذاك البريق وهما تتبعان خيال ذاك المركب إلى أن اختفى ..
قلت له قاطعا حبل الصمت :
- فلنعد للحب .
عاد من شروده ببطء ثم قال :
- أراك حصرت حديث الحب عن الحب بين النساء والرجال فقط
- وهل هناك غير هذا الحب ؟
- نعم ... كـ حب الوطن مثلا
ثم سألني سؤالا (فخ) حتى يرى ردة فعلي .. ولم أنتبه لفخه هذا إلا بعد أجابتي على سؤاله :
- ما رأيك لو تحدثنا عن حب الوطن ؟
فاندفعت قائلا بكل تذمر :
- حب الوطن ؟!! يعني أنت هسه شايفنا قاعدين جمب النيل والنسيم عليل والدنيا ليل وأنت راجل رومانسي وما باقي إلا أولع شموع ... ده كلو عشان نتكلم عن حب الوطن؟
فقال :
- ومالو حب الوطن ؟
- ده حب معروف في زمنا ده وما محتاج لأي شرح ولا سهر .. الوطن أنا بشتغل فيهو 16 ساعة في اليوم والفايدة شنو ؟ ... ما لاقي إلا الكفاف .. وديون في ديون ...
التعليم بالواسطة ... الشغل بالواسطة ... العلاج بالواسطة ... حتى الكلام بقى بالواسطة ... ونحن ناس فقرا ما لينا غير الله ...
بكرة لو قامت حرب بقبضونا في الشوارع ويجروا ورانا جري الوحوش ... وما نلقى روحنا إلا في أرض المعارك وطلقة واحدة في نص الراس وأنتهى الأمر ...
يجو يعملو لينا في التلفزيون عرس الشهيد والناس تكبر وتهلل وتضحك مع أهازيج الأناشيد الوطنية ... وبكرة حملة (تقبيض )قهرية قسرية جديدة ... وعرس جديد ... لعريس جديد ..
ياهو ده حبنا للوطن يا سيد ... أنا وأمثالي ... خلي الوطن يحبنا في الأول عشان نعرف نحبه ..

حل بنا صمت جديد ثقيل الظل فقطعه هو هذه المرة بتنهيدة عميقة وزفرة ساخنة ثم قال:
- الحال من بعضو يا خوي ...وعلى رأيك أحسن تخلينا في حب النساء
- أيوه كده ... خلينا مع المجنونات ديل
- مجنونات ؟
- وأحلى مجنونات كمان
- خليهم يسمعوك .. عشان يوروك الجن على أصولو
- لو سألتك وقلت ليك ... هل تؤمن بالحب من أول نظرة حـ تقول شنو؟
- حـ أقول ....لا ...
ثم إستدرك قائلا :
- أنا فقط أؤمن بالإعجاب من أول نظرة ... أما الحب فلا ......
الحب له أسس ومقومات ومبادئ وأصول لا تكشفها لك نظرة وحيدة... بل تكشفها لك الأيام بتجاربها وامتحانها لذلك الحب ....
أما الإعجاب من أول نظرة فهذا ممكن ووارد .. فمثلا لو إفترضنا أنك تحب النساء طوال القامة ذوات الشعر المسترسل والعيون العسلية .. فرضا يعني ... وفي إحدى المرات قابلت واحدة في السوق بهذا المواصفات وعلى قدر من الجمال ...
لا شك أنها ستلفت نظرك من أول وهلة وستعجب بجمالها الذي وافق هوىً في نفسك ... هذا هو الإعجاب من أول نظرة ... ثم تبدأ في التقرب منها والتعرف عليها عن كثب ..
فإن وجدت طباعها تتوافق مع طباعك إنقلب ذاك الإعجاب إلى حب فورا .. أما إذا تنافرت طباعكما .. عندها يختفي الإعجاب أو يظل إعجابا بالشكل فقط ولا يتطور إلى حب أبدا ...
الإعجاب من أول نظرة مثل الإعجاب بقطعة حلوى من على البعد ..
نحبها ونشتهيها وتتوق إليها أنفسنا ... فإن دنونا منها ووجدناها طرية شهية نقية ... أكلناها هنيئا مريئا ..
وإن وجدناها مليئة بالرمل والحشرات ... كريهة الرائحة ... عفناها ورميناها في أقرب مزبلة ..
هذه هو ردي لك يا أخي
فقلت مبهورا :
- ويا له من رد ..... إذن حدثني عن الحب الأول ... هل أنت مقتنع بالقول القائل ما الحب إلا للحبيب الأول ؟
- نعم ... ولكن بطريقتي الخاصة .
- وكيف هي طريقتك ؟
- الحبيب الأول عندي ليس هو الأول في الفترة الزمنية السابقة لمن هم بعده ... الحبيب الأول عندي هو الذي يحقق درجات الحب الكاملة حتى وإن كان آخر الأحبة .
- هذه فلسفة جديدة لم أسمع بها من قبل ولا أخفيك أن كل كلامك غريب عليّ لم تطرق رأسي أفكارا مثل أفكارك ولم يتسع ذهني لفهم مثل فهمك
- أنت مازلت صغيرا .. ولم تعركك الحياة مثلما عركتني .. ربما لو مررت بما مررت به أنا لصرت أعلم وأفهم ..
- دعك من هذا التواضع فلو عشت مائة عام لا أظن أن يتسع عقلي هكذا .. والآن زدني حديثا عن الحب .

عاد لصمته .. وإتكأ على الطاولة الفاصلة بيننا ووضع ذقنه على كفه اليسرى المفتوحة وأخذ يطرق بالقلم من جديد وهو ينظر للنهر ...
وطال صمته حتى خلته لن يتحدث ولكنه تحدث بصونه الرخيم وقال :
- الحب ... هذا الشيء الذي تحيى به الناس وتموت أحيانا من أجله ... الحب .. هذا الشيء الذي يملأ العالم سعادة وتعاسة في آن واحد .. الحب ... هذا الشيء الذي يجمع كل التناقضات في ذاته ويشغل كل الألسن بالحديث عنه ... الحب موجود في كل العالم .. حتى في تلك النفوس الخبيثة التي (تحب ) الشر ..
الحب موجود في الطبيعة وحتى بين الطيور والهوام بإختلاف درجاته ومقوماته ومفاهيمه ..
أنت تريد حصر حديثنا عن الحب الذي بين الرجل والمرأة ... أنا أعلم هذا ولك مني ما تشاء ...
سكت عن الكلام ... وأرجع ظهره للوراء وغاص في أحضان كرسيه ثم قال كلاما عجيبا غريبا ...
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

قال :
- للحب عرش عظيم في داخل كل قلبٍ مُحب ..
عرش الحب أكبر شيء يملأ الدواخل ويمكنه أن يتسع بإتساع الحب ليملأ طبقات الأرض والسماء ...
عرش الحب عبارة عن إتحاد عدة عروش تحت قبة عرش الحب العظيمة
فمثلا الوفاء عمود من أعمدة الحب ... له عرش في أعلاه يسند عرش الحب العظيم ...وللثقة عمود وعرش ... وكذلك الإخلاص والشوق والأمان وغيرهم من أعمدة الحب ...... كلها تقف بعروشها تحت عرش الحب لتسنده وتقويه عندما تهب العواصف وتتزلزل الأرض ..

يهتز عرش الحب ...عندما تهتز هذه العروش ويميل إذا سقط أحدهما وينهار بإنيهارها كليا أو جزئيا ..
يمكنك أن تتخيل بعض أعمدة تلك العروش بألوان وزخارف وصفات مختلفة ... حتى تتضح الصورة في ذهنك ...
فيمكنك أن تضع اللون الأسود لعمود عرش الثقة لفخامته وقتامته وحجبه الرؤية عن الآخرين ... وكذلك اللون البني لعرش الأمان .... ويمكنك أن تطلي عرش العطاء باللون الأخضر ... وعرش الشوق باللون الوردي ...
أما عرش الغيرة فلا يناسبه لون مثل اللون الأحمر الفاقع ... لأنه عرش سريع الإشتعال وسبب معظم الحرائق التي تدمر عرش الحب بأكمله إذا تخلت الحكمة عن صاحب القلب المحروق بالغيرة ....
كما يمكنك أن تعطي الإخلاص اللون الأزرق لعمقه ... والوفاء اللون البنفسج لوضوحه ..

وهكذا يستطيع كل واحد منا أن يرسم في مخيلته عرش حبه الكائن داخل قلبه كيفما يشاء ...ويبالغ في صيانة تلك الأعمدة من الصدأ والتصدع ويتعهدها بالعناية والرعاية حتى لا يهتز عرش حبه .. فتلك العروش سريعة التصدع سريعة التفتت ... إذا غُفل عنها .

يهتز عرش الحب ... إذا إهتز عرش العطاء ... فالعطاء للحب مثل الماء للزرع .. فلا زرع من غير ماء ولا حب من غير عطاء ..
ويهتز عرش الحب ... إذا أهتز عرش الثقة وهو عرش بالغ الخطورة .. وهو وعرش الأمان متشابهان في كثير من الصفات ... وأكثر ما يهز عرش الثقة هو الكذب ... والكذب داء عضال إذا أصاب القلب لم يتركه إلا خرابا مليئا بالغربان وبوم الشؤم ...
وبمجرد إنهيار عرش الثقة ينهار معه عرش الأمان فورا ... فلا أمان لقلب كذوب ...
فيهتز تبعا لذلك عرش الشوق الوردي بعد تصدعه وتشققه وتمنّع أزاهيره عن التفتح ... فلا ترسل عبيرها وتبخل به وتضن ... فينقطع عن الحب شذى الإشتياق ويفقد عبيره .. ويمسي غفرا خلاء نتن الروائح
عندها تتساقط باقي العروش تباعا ومن بينهما عرشي الوفاء والإخلاص الشقيقان .... فالفروق بينهما طفيفة ... ففي الغالب يكون الإخلاص للحبيب في أيام قربه ... والوفاء في أيام بعده ...
كل هذه العروش مرتبطة ببعضها إرتباطا لا يقبل التجزؤ بأي وجه كان .. فلا تقوم لعرش الشوق قائمة وعرش الثقة منهار ولا يتماسك عرش العطاء وعرش الأمان غير آمن ..
أما عرش الغيرة فقد قصدتُ أن أتحدث عنه أخيرا لخطورته ... هذا العرش إذا زاد حجمه خنق باقي العروش وأضر بها وكان السبب في إحتراقها ... وإذا قل حجمه إنهارت من فوقه العروش وإنكبت إنكبابا ... عرش الغيرة كان سببا في دمار الكثير من عروش حب جميلة ... كانت منقوشة بأجمل نقوش ومرصعة بأنفس الدرر والجواهر ...

كل هذه العروش لا ضير إن كان موضعها القلب فقط ... إلا عرش الغيرة فلابد أن يكون بينه وبين العقل ممر ومعبر ... كي تمر من خلاله الحكمة التي تثبت القلب في بعض الأوقات العصيبة ...فزيادة الغيرة من غير حكمة تجعل القلب هائما على وجهه من غير هدى ...


هذا هو الحب وهذه هي عروشه والتي إن ثبتت ثبت الحب وعاش ... وإن إهتزت فانتظر النار ... والدمار .... والغبار .



يتبع ...
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

كان يتحدث وأنا سارح بخيالي مع كلماته ووصفه لتلك العروش المهزوزة ..
وتخيلت عرش حبي بتلك الألوان التي وصفها وبتلك الكيفية ... وهل في مقدورنا (أنا ومن أحبها) المحافظة عليه ثابتا قويا ؟ يا لها من عروش ويا له من تحدٍ ..
سرحت بعيدا لدرجة أني لم أشعر به عندما توقف عن الكلام ... فقد كنت هائما بين أعمدة تلك العروش ...
وعندما عدت من تأملاتي ... رأيته ممسكا ً بقصاصة ورق صغيرة يكتب عليها شيئا في ذلك الضوء الخافت ... يكتب ببطء وهدوء وكأنه يرسم الحروف رسما ..
إنقضى وقت طويل وهو في إطراقته وتحديقه في تلك القصاصة ... وأنا في تأملاتي وتوهاني ... لا يشق ذلك السكون سوى صوت موجة تعالت بها هبات النسائم الفجرية ..
سألته :
- أيهما يعتني بتلك العروش أكثر .. الرجل أم المرأة ؟
وضع القلم وثنى قصاصة الورق عدة ثنيات ثم وضعها في جيب قميصه وقال :
- أجابتي على هذا السؤال ستكون إجابة شخصية بحكم تجربتي ونشأتي .. و من وجهة نظري الخاصة والتي قد تصيب وتخطئ ...
أنا في كثير من المواقف أتعاطف مع المرأة وأحاول دائما أن أجد لها الأعذار ... وأحيانا أختلقها لها إختلاقا ..
ولي في ذلك عدة أسباب ... منها :
أنني نشأت في بيت يرعاه أب شديد الصرامة .... كان يسعى للكمال في تربيتنا .. فكان يدفع بنا نحن الأولاد إلى المجتمع الخارجي دفعا .. كي يقوى ساعدنا ويشتد عودنا ونعتمد بذلك على أنفسنا ... وبالمقابل كان يبالغ في التحفظ على البنات خوفا عليهن من بطش وجبروت المجتمع ...
عندما كنت صغيرا ... كنت أحنو على أخوتي وأشفق عليهن من كثرة الأوامر والملاحظات التي تصدر إليهن في الخروج والدخول واللبس وطريقة الجلوس وطريقة الأكل والكلام والمشي ...
كنت أحس بضيقهن وأسمع تذمرهن أحيانا من تلك الأوامر ...
وكم كنت أشعر بمعنى الحرية عندما أخرج للشارع وأنا ألبس ما أريد وأنتعل ما أريد وربما أخرج حافيا إذا حكم المزاج ..
أجلس كيفما أريد وألعب الكرة حتى آذان المغرب .. وأعود متسخ الثياب ولا مشكلة في ذلك ...
أما لو تأخرت إحدى أخواتي نصف ساعة مع صويحباتها ... لقامت الدنيا في بيتنا ولم تقعد ...
كنت أحس بضعفهن وقلة حيلتهن ... ولو تمت معاملتي مثلهن ليوم واحد لأصابني الجنون دون شك ..
كنت أعلم أنها التربية .. وتربية الولد تختلف عن البنت (وليس الذكر كالأنثى) ورغم هذا كنت أحنو وأشفق عليهن ...

وعندما كبرت وفهمت الكثير من الأمور في حياة الناس وجدت أن أكثر البنات يتحدد مستقبلهن ومصيرهن بكلمة واحدة يقولها الأب أو العم أو ولي الأمر أيا ً كان ...
ووجدت أيضا أن ليس كل ولي أمر عاقل وحكيم ... بل ربما كانت البنت أعقل منه ... ولكن وضعه الإجتماعي جعله يتحكم في مصير مستقبلها بكلمة يقولها ..
وربما كان هذا الرجل مخبولا ... أو سفيها أو خبيثا ... أو محدود عقل وفكر ..
أضف إلى ذلك تكوين المرأة الضعيف وأقصد به الضعف الجسدي ورقة القلب وإعتمادها على العاطفة في الكثير من قراراتها ...
أما فكريا فلا أرى لها ضعفا ... وسبب ما نراه من تصرفات النساء التي تقلل من شأنهن (فكريا) عندنا نحن معشر الرجال ... هو إعتقادنا أن تلك التصرفات صادرة من عقولهن ..وهذا ليس صحيح ... ولو نسبنا تلك التصرفات لعاطفتهن لعرفنا ما خفي عنا ... وتفهمنا موقفهنّ .

هذا ليس دفاعا عن المرأة كما هو ليس مدحا لها ... إنما هذا هو الواقع الذي أراه .. وهذا الواقع ليس مبررا للمرأة حتى تفعل ما تفعل تحت مسمى العاطفة ... فيجب عليها التعقل بقدر الإمكان ... ولكني أعلم يقينا أن (الطبع يغلب التطبع) ..
لهذه الأسباب - ولغيرها – أتريث وأتأنّى كثيرا وأحاول أن أجد الأعذار والمخارج قبل أن أصدر أي حكما تجاه امرأة ...
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

استعصى عليّ الكلام ويبدو أن عدوى الصمت قد إنتقلت إلىّ منه ... فبت مثله أجيد الصمت والإنصات ..
وماذا عساني أن أقول أمام هذه التعليقات الصادرة من هذا الرجل العجيب ..
من أين أتاني هذا الرجل الذي غير كثيرا من المفاهيم عندي ... فقط في ساعة زمان ...
عدنا لبحر صمتنا الموازي لهذا النهر البارد النسمات ... وقطع الصمت هذه المرة ديك صاح فجاوبه آخر ثم عادا للمنام وكأنه أخبره بأن الفجر لم يطلع بعد ...
سألني :
- كم الساعة ؟
- لست أدري ..... ربما الثانية أو الثالثة ..... لم يتبق على الفجر الكثير.
أحسست به يريد الإنصراف وشعرت بضيق وحزن عظيم ..
لا أنكر أني استفدت منه فائدة لا توصف ... ولكني لم أشف غليلي منه بعد ..
كل كلامه كان نظريا وفلسفيا عن الحب الغريزي والمكتسب وعن تلكم العروش المهزوزة ... أنا أريد أكثر من هذا ... أريد أن أسبر غوره لأعرف سبب تأملاته وصمته .. وسر مسحة الحزن التي تكحل عينيه ...
لن أدعه يذهب حتى أمسك قلبه بين يدي وأقبضه ... وإذا قبضته فلن أفلته ...
لابد لي من مسلكٍ إلى دواخل هذا النديم الوسيم ..
فكان يجب علي أن أشغله بشي ينسيه أمر الذهاب .. فقلت له :
- تشرب حاجة ؟
- لا شكرا
- ياخي لازم تشرب حاجة
- لا شكرا
- أجيب ليك شيشة
- لا ... ما بشرب لا شيشة ولا سجار
- طيب أعمل ليك قهوة مظبوطة
- كتر خيرك ... القهوة بعد كده حـ تحمينا النوم ... ده لو كان في نوم من أصلو
- تعرف أنت ذكرتني بزبون جاني هنا قبل فترة ... زبون غريب شديد
- غريب كيف يعني ؟
- حـ أحكي ليك ... مرة جيت لقيت واحد قاعد في نص القهوة ... مشيت عليهو زي أي زبون وقلت ليهو (تشرب شنو يا سيد ... تشرب شاي؟ ... قال (لا ما بشرب شاي) ... طيب أجيب ليك قهوة ... قال (لا ما بشرب قهوة) طيب أعمل ليك يانسون حلبة كركدي زنجبيل ... وهو يقول (لا ما بشرب ده وما بشرب ده وما بشرب ده) قلت ليهو طيب أجيب ليك شيشة ... عاين لي عين كده بإستخفاف وإستحقار.. طبعا ما عرفت أتصرف معاه كيف ولا أعمل ليهو شنو ... قمت قلت ليه .. لو سمحت أنا عندي ليك سؤال بس ما تزعل يعني ..طيب؟ قال (سؤال شنو؟) قلت ليه ... أنت بتشرب مخدرات ؟ يعني ليك في البنقو والعرقي والحاجات دي ؟؟؟ زعل شديد وهاج وقال ( لا طبعا) ...... قلت ليه ... طيب ياخي أنت هسه لا بتشرب مخدرات ولا بتسكر ولا بتشرب قهوة ولا شاي ولا كركدي ولا أي حاجة من ده كللللو ... بتعمل شنو عليك الله ؟ ... بـ تسب الدين بس ولأ شنو ؟
ضحك نديمي بصوت مرتفع ولأول مرة ... وضحكت لروعة ضحكته ...
ضحك بملء فيه وهو يقول :
- ده كلام شنو ؟
- ياخي ده زول غريب جدا ... أنا خايفو يكون لا بشرب موية لا بتنفس كمان ...... بس شابكني ليك ما بشرب كده ما بعمل كده ... قلت خلاص يمكن يكون بـ سب الدين ... أهو مصيبة من المصايب البنعمل فيها دي وخلاص ... وبعدين لو شفتو قاعد ومتحكر ومغزوز في نص دخاخين الشيشة وكبابي الشاي تطقطق لحدي ما صجت أضانو ... وبعد ده كلو يقول ليك ما بشرب وما بعمل .. وعامل فيها الـ ود ملاك طاهر يعني .. طيب يا ملاك ما تمشي تشوف ليك جامع ولأ برش أنبرش فيه ... الجابك والغزاك هنا شنو ياخ؟
كنت أتكلم ونديمي يضحك حتى وضع كفيه على وجهه من شدة الضحك ..
ثم أخذ يستغفر ويضحك ... يستغفر ويضحك إلى أن قال :
- دمك خفيف .
- والمخ برضو خفيف ....أهو .. من كترة شراب الشاي الخفيف .... طيب أنت هسه حـ تعمل شنو؟
- أعمل شنو في شنو ؟
- تشرب حاجة .. ولأ حـ تسب الدين ؟
فضحكنا من جديد على هذه القفشة وضربنا الهم بالفرح حتى ردد النهر صدى الضحكات ...
ثم أستعاد هدوءه وقال :
- لا .. طالما الحكاية كده ... أشرب حاجة طبعا ... أشرب شاي سادة .
فقفزت من مكاني بكل خفة ورشاقة وأنا أصيح بأعلى صوتي (وعندك واحد شاي سادة وصلحووووو)
فشق صوتي عتمة الليل والسكون ... وجاوبني ديكا وكأنه قال (يا مجنون)
صورة العضو الرمزية
ميسم
مشاركات: 2443
اشترك في: الأحد 2012.4.22 8:59 am
مكان: جدة

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة ميسم »

يا الهي...!

كم هي رائعة هذه القصة ، اتابعا بشغف اتلو سطورها سطرا تلوى الاخر ....

استاذ طلال دمت بخير وسعادة كما اسعدت قلوبنا ....
Control 3
مشاركات: 559
اشترك في: الجمعة 2009.7.10 10:17 pm
مكان: 1

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة Control 3 »

المبدع طلال
شكرا لتلك الابداعات والروائع الجميلة
سلمت يداك
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

الرائعة ميسم .... ممتن لك جدا على هذه المتابعة .. فكان بها من التحفيز ما كان .. وكوني قريبة فقد إقتربت النهاية
الراقي كنترول 3 ..... سرني وجودك هنا ... وأبهجني ..... تقبل تحياتي وكل التقدير والإحترام
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: عروش مهزوزة

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

احتسينا الشاي (بالنعناع) قبل أن تبرده النسمات المتواليات .....
وبدأ قلبي في الخفقان استعدادا للدخول في مرحلة جديدة من هذه الليلة ..
قطع تفكيري بسؤاله :
- حسابك كم ؟
- حساب شنو يا سيد ... ما بينا الكلام ده
- حساب القهوة والشاي والجلسة الظريفة دي على ضفة النهر وكرم الضيافة والبشاشة
- بالعكس ... مفروض أنا الـ أدفع ليك والله
- كفاية عليك إنك أستحملتني وإستحملت كلامي الكتير ده طول الليل
- كلامك كتير ؟ كلامك درر ..... خليها علي المرة دي
- ياخوي القهوة ما حقتك ... وأنت أجير يا أمير ... شد حيلك وأعمل ليك قهوة براك وأعزم أحبابك زي ما عايز .
ثم أخرج من جيب قميصه بعض الوريقات النقدية ووضعها تحت كوب الشاي الفارغ حتى لا تحملها النسائم ..
لم ألح عليه كثيرا ... لعلمي أن الإلحاح لن يجدي ... فتركت أمر الحساب وعدت إلى ما أنا فيه ..فقد كنت عزمت – أثناء تحضيري للشاي - وأعددت العدة للهجوم على قلبه فقلت :
- أحكي لي عنك
رفع بصره ونظر إلي في عيني نظرة طويلة ليرى ما وراء هذا السؤال .. وقال :
- وأنا من قبيل قاعد أعمل في شنو ؟ ما قاعد أحكي ليك
- أنت ما حبيت قبل كده ؟
بدأت ملامح وجهه تتغير ... وعلاها الوجوم وأجاب بصوت خفيض :
- حبيت طبعا ..
ثم إبتسم إبتسامة حزينة وقال :
- باين في كلامي .. وفي عينيا شايفو .... ولأ ما شايفو ؟
- شايفو شديد كمان .. أحكي لي عنو
عاد للسرحان والتوهان وزادت في وجهه مسحة الأحزان ومساحتها ..ثم قال :
- لو عفيتني من الكلام .... أكون ليك شاكر .
- ليه ؟ هو في شنو يعني ؟
لم يجب .. فزاد الفضول في داخلي أضعافا مضاعفا وظللت أترجاه كثيرا وهو صامت مطرق الوجه والقلب ... وأحسست بألمه وبدأت أندم على ضغطي عليه فقلت :
- خلاص خليها بكرة إن شاء الله
قال بصوت مخنوق دون أن يرفع رأسه :
- بكرة زي المواعيد دي بكون في الطيارة
ثم أردف بحزن :
- نحن ما أظن نتلاقى تاني أبدا
عدت بظهري واستندت بالكرسي بعدما دارت بي الدنيا وأنا جالس ..
كمية مقدرة من الإحباط والضيق جثمت على صدري حتى كتمت أنفاسي ..وأعتصر الحزن قلبي ... ولزمت الصمت ..
نظر إليّ نظرة حانية وقال:
- ده حال الدنيا .. تجمع لتفرق وتفرق لتجمع ..
فواصلت صمتي فلم تجدي مواساته لي بهذه الكلمات ... فصمت هو أيضا ..
فجأة برقت عيناه وقال بصوت متحفز :
- تعرف أنا حـ أحكي ليك ... حـ أحكي ليك الـ ما حكيتو قبل كده لإنسان ... حـ أحكي ليك عشان أجبر بخاطرك ... تعال معاي ..
وهبّ واقفا ...
لم أستوعب ما حدث أمامي ... وظللت جالسا فقال من جديد :
- تعال معاي
فقمت بجانبه فسار متجها نحو النهر ... وأنا بجواره لا أعرف أين يريد .. فليس أمامنا إلا النهر ...
هذه أول مرة أراه واقفا .... كان ممشوق القامة .... أقرب إلى الطول ... بارز الصدر .. متناسق القوام ..... مشيته أقرب ما تكون للمشية العسكرية منتظمة الخطوات ..
سرت بجانبه وأنا أرمقه بنظراتي الحائرة وهو بالطبع لا يتكلم ..
قطعنا المسافة الصغيرة التي تفصلنا عن رمال الشاطئ الفضية .. وبدأنا نخوض في ذاك الرمل .. وهو لا يلتفت ...
فأوجست خيفة منه .... من هذا الرجل ؟ وأين نحن ذاهبان ... ماذا يحدث لي في هذه الليلة العجيبة ..
إقتربنا من الماء ... وهو ومازال يمشي وكأنه لا يرى ماء ...
فبدأت خطواتي تخور .. وتساءلت ... هل من الممكن أن يكون هذا الرجل مجنونا ؟
هل من المعقول بعد ما رأيت منه ما رأيت وسمعت منه ما سمعت ... يكون به مرض نفسي ؟
أم فقد عقله فجأة بعدما ذكّرته بقصة حبه ؟؟
إن كان هذا الرجل مصابا في عقله فلن أثق بعد هذا في أي عقل مهما كان ..
وهو غير مكترث ... يرفع قدما ويضع قدما ...ويمضي قـُدما نحو الماء ..
وقلبي اجتاحته عاصفة من الخوف هوجاء .
أضف رد جديد

العودة إلى ”سيناريو وأحـداث“