هل سمعتم بلجنة حكومية اسمها (لجنة منع التحصيل غير القانوني) برئاسة مولانا بابكر قشي؟
لجنة حكومية مهمتها مطاردة الحكومة التي تحصل رسوماً غير شرعية.. بطرق غير شرعية.. وأمرت اللجنة بوقف تحصيل الرسوم غير القانونية التي جبتها الإدارة العام للحج والعمرة!!
قبل سنوات عدة.. وبعد تزايد الشكاوى من الرسوم التي تفرضها الولايات في طرق المرور السريع.. كونت الحكومة لجنة على رأسها وزير العدل - آنئذ- مهمتها السفر على طول الطريق القومي من الخرطوم حتى بورتسودان لإزالة كل محطات التحصيل -غير الشرعي-.. اللجنة بكل حماس وحزم دمرت كل نقاط التحصيل التي مرت عليها في الطريق حتى بورتسودان ثم عادت بالطائرة.. بعد أسبوع واحد كانت كل نقاط التحصيل في مكانها تمد لسانها للجنة ولمجلس الوزراء الذي كلفها بالمهمة العبثية..
حكاية محاربة التحصيل غير الشرعي بإيصالات غير شرعية أمر لا يحتاج إلى لجنة برئاسة مستشار ولا وزير.. فالأمر في غاية البساطة وبالقانون الصريح..
من حق أي مواطن يدفع ولو جنيهاً واحداً بدون سند شرعي وقانوني أن يذهب لأقرب وكيل نيابة ويفتح بلاغاً ضد الجهة الحكومية التي أجبرته على الدفع.. أو سدد ولم يحصل على (أورنيك 15).. وتصبح قضية جنائية عادية تستوجب القبض على المسؤول الحكومي وتحويله إلى محكمة عادية.. ويتعرض للعقوبة التي يتعرض لها أي مواطن عادي يستولى على مال غير شرعي..
إذا ذهب مدير وحدة حكومية.. أو معتمد محلية إلى السجن جراء التحصيل غير الشرعي فلن يتجرأ مسؤول واحد مهما سمق منصبه على ممارسة هذه الجريمة.. جريمة تحصيل الرسوم غير الشرعية.. التي لم ينص عليها قانون مجاز من المجلس التشريعي..
قبل يومين أصدرت رئاسة الجمهورية أمراً يمنع إدارة الحج والعمرة من تحصيل رسوم غير شرعية ظلت تستحلبها من جيوب الحجاج والمعتمرين لفترة من الزمن.. حسناً وأين الأموال التي دفعها الحجاج والمعتمرون قبل قرار وقف التحصيل؟؟ طبعاً لن يسأل عنها أحد.. إذن ستتوقف إدارة الحج والعمرة عن التحصيل لفترة ريثما تسكن العاصفة ثم تعود مرة أخرى إلى الجباية.. وبعد شكاوى جديدة من وكالات السفر أو المواطنين يصدر أمر بوقف الجباية.. فتتوقف إدارة الحج والعمرة عنها.. ثم تعود.. وهكذا..
الأوجب أن يدرك مدير أي وحدة حكومية أنه إذا تحصل ولو قرشاً واحداً بغير وجه حق قانوني فإنه هو لا غيره سيقع تحت طائلة القانون ويذهب إلى المحكمة ومنها إلى السجن.. مثله وأي محتال ينصب على الناس ويقطف أموالهم بغير حق..
لن يجرؤ مسؤول بعد هذا.. مهما طالت عمامته على جرأة أكل أموال الناس بالباطل..
في الصفحات الداخلية نواصل اليوم نشر الحلقة الثامنة من التحقيق الاستقصائي (جثة مجهولة الهوية) الذي يتناول قضية الخطوط الجوية السودانية (سودانير)..
ربما يرى بعض القراء أن الفاصل الزمني من آخر حلقة كان أطول مما توقعوا (ستة أيام).. لكن العذر دائماً هو في توارد مزيد من المعلومات من مصادر جديدة.. لم تغير شيئاً من الخلاصات والخط التحريري للتحقيق لكنها بالتأكيد أضافت كثيراً من المعلومات التي تفيد القارئ وترسخ الحقائق.
والمشكلة عادة ليس في حجم المعلومات.. بل في المجهود المطلوب لتدقيقها والتثبت بالمزيد من المراجعة والتمحيص.
وقد لا يعلم القراء أن بعض الحلقات يتطلب عرضها على مستشاري القانوني قبل النشر لأنه هو من سيقع عليه ثقل الترافع عني أمام منصة القاضي (عند اللزوم).. وحتى أسهل مهمته فأحاول أحياناً أن أشركه في مراجعة بعض الحلقات لسد الثغرات القانونية (إن وجدت)..
حتى هذه اللحظة يزداد يقيني كل يوم أن (سودانير) تعرضت – ولا تزال – لمؤامرة تستهدف الإبقاء عليها تحت سقفها الحالي.. إما لمصالح مباشرة للبعض فيها.. أو لمصالح أخرين يحبذون فسح أكبر فجوة ممكنة في المنافسة على تركتها الداخلية والخارجية معاً.
يلوم التنويه هنا لجملة صغيرة وردت في حلقة سابقة أشرت فيها إلى أن شركة (سودانير) في عهد الشراكة مع مجوعة عارف كان يفترض أن تخضع لمراجعة المراجع العام السوداني لأن القانون يلزم بمراجعة أي شركة تزيد نسبة الشراكة الحكومية فيها عن 20%.. وأشرت إلى مكتب مراجعة خاص هو مكتب السيد مبارك علي كلف بالمراجعة., لكن التوضيح الذي وصلني من السيد مبارك أكد فيه أنه كلف بواسطة مجموعة عارف لمراجعة عمليات وحسابات محددة في (سودانير) .. وهي عملية معروفة لا تعتبر (مراجعة معتمدة) لحسابات سودانير.. وأنه بذلك ليس مسؤولاً عن أية حسابات أو عمليات مالية وردت في ثنايا التحقيق.. وأنه تلقى أتعابه من مجموعة عارف وليس من (سودانير).. ويلزمني هنا التأكيد أنني لم أقصد ربط مكتب الأخ مبارك بأي إشارات وردت عن التلاعب بحسابات سودانير.. فليس هناك ميزانية مراجعة معتمدة للفترة التي تولت فيها عارف إدارة سودانير.. والوثائق التي أوردتها تكشف كيف كان التلاعب بالإجراءات المالية وما أدى إليه من خسائر ضخمة وهدر للأموال على النحو الذي ورد في حلقات التحقيق.. والحقيقة أني حاولت الاختصار لكثرة الوثائق المالية في حوزتي التي تثبت المخالفات الجريئة.. والتلاعب في صرف الأموال بالعملة الأجنبية والمحلية .
اتصلت بي المستشارة القانونية لشركة سودانير مولانا أسماء الرشيد.. وأوضحت أنها لم تكن في الوفد الرسمي من الشركة الذي سافر إلى دبي للتفاوض مع رجل الأعمال (الصواف).. وأكدت لها من جانبي. أنني كنت أعلم بذلك ولهذا كانت عبارتي واضحة تماماً أن الوفد يضم (مستشار قانوني).. بدون تعريف بالألف واللام.. فهو أحد منسوبي مكتب المستتشار القانوني.. ومكلف من رئيس المكتب بالإنابة بالسفر مع الوفد لتوفير الغطاء القانوني للاتفاق
استطراداً في موضوع (القلب السليم).. بالله تمعنوا في هذه الآية الكريمة من سورة البقرة (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
لاحظ ارتباط (الصبر) بـ(الإفراغ).. وارتباط (الأقدام) بـ(الثبات)..
هل تذكرون ما قلته لكم في عمود سابق عن الآية الكريمة (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)..
في هذه الآية (الفراغ) ارتبط بـ(الفؤاد).. و(القلب) بـ(الربط).
إذا كان الفعل المرتبط بـ(الصبر) هو في وصفه الفني الدقيق عملية (إفراغ) فيعني ذلك أن (الصبر) ليس قيمة منزلة من الفراغ.. بل هو قيمة محولة..
لفهم كيف يفرغ الصبر راجع الآيات التي تتحدث عن وسائل أخرى ذكرها القرآن لـ(إفراغ) الصبر في النفوس.. مثلاً (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ), وجاء فيء القرآن في أكثر من موضع أن الله أمد المسلمين في معاركهم الحربية ببضعة آلاف من الملائكة (مسومين).. ألم يكن يكفي (ملك واحد) لمواجهة كل جيش الكفار!
الوحدات العددية هنا ليست إحصاء لعدد الملائكة بالمعنى الحرفي.. هي وحدة قياس لحجم الصبر الذي أفرغ في قلوب مقاتلي جيش المسلمين.. تماماً مثلما نستخدم في لغة العصر (الحصان) للتعبير عن قوة الماكينة.. فالماكينة التي قوتها (عشرة أحصنة) لا تعني أن بداخلها هذا العدد من الأحصنة.
والدليل على كون (عدد الملائكة) هو حساب معنوي.. تكملة الآية (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).. هو مجرد بشرى.. أي حافز معنوي ملهم للقوة والصبر.
فريق كرة القدم الذي يلعب وسط جمهوره.. التشجيع الداوي الحماسي (يفرغ) الصبر في نفوس اللاعبين ويثبت أقدامهم.. فيفيض عطاؤهم ويزداد بأسهم.
زغاريد النساء تشحذ همة الرجال.. وتساعد على إفراغ الصبر في نفوسهم.. لكن الرجل (الجبان) لن تفيده الزغاريد ولا التشجيع.. فليس هناك رصيد لـ(الإفراغ)..
الصبر دائماً هو قيمة مرتبطة برصيد محول من وعاء إلى وعاء.. عملية (إفراغ) تماماً مثلما ترسم هذه الآية معنى الإفراغ (آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) إفراغ من إناء إلى إناء.
رجل مؤمن بالله ومثابر على الطاعات يلازم المسجد كل الأوقات.. لكن في ساعة المصيبة ينهار من هول الجزع.. هو في حاجة أن (يفرغ) الله عليه صبراً.. حتى يثبت.. تحويل (سعرات) الإيمان في نفسه إلى طاقة معنوية عالية تناهض الحزن واليأس والانهزام النفسي.
لكن المصيبة الحقة.. هي في من لا يملك (الرصيد) الكافي للتحويل.. لـ(إفراغ) الصبر عليه.
كل هذه المعاني أجمعها لنعود بها لتفسيري الذي ذكرته لكم للآية (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) لاحظ (فراغ) الفؤاد.. و(إفراغ) الصبر..
(إفراغ) الصبر في (فراغ) الفؤاد.. فالفؤاد هو الماعون – الافتراضي- الذي يتحول إلى (فراغ) في لحظة المصيبة الكبرى.. فيحتاج إلى (إفراغ) الصبر عليه لتثبيت الأقدام أو ربط القلوب (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا).
وتذكر دائماً ما قلته لكم أن (الفؤاد) هو مجمع المعلومات التي تلتقطها حواس الإنسان.. بينما القلب هو البرمجيات (Software) المتحكمة في الحركة والسكون عند الإنسان.
أبوزيد عبدالله .. شاب في مقتبل العمر اليانع.. برتبة نقيب في شرطة السودان.. أمس أتم ستة أشهر كاملة خلف جدران سجن كوبر.. تنفيذاً لعقوبة حبس لأربع سنوات صادرة بحقه من محكمة خاصة بالشرطة..
لا أنوي هنا التدخل في الإجراءات القضائية التي تمارسها محاكم الشرطة ذلك أمر فني قانوني مساره الطبيعي في أروقة الهرم القضائي داخل وخارج الشرطة.. لكني هنا فقط أرسم لوحة تجريدية لحالة (النقيب أبوزيد)..
أبوزيد كأي شاب كان في وسعه أن يتطلع إلى أرغد السبل التي تتيح حياة منعمة بلا كدر.. والطريق نحو ذلك سهل وممهد خاصة لمن هو في وضعه.. ومن حظي بالموقع الذي أنعم الله به عليه في الشرطة.
لكن النقيب أبوزيد.. مارس حقه الإنساني الطبيعي في تقدير المسافة بين الخير والشر.. ثم العمل على توسيعها بأكبر ما تيسر..
وتلك بالتحديد أحد أهم القيم التي ألح الإسلام في ترسخها في (المجتمع) بل واعتبرها الرسول المصطفى الحد الفاصل بين الحق والباطل..
النص واضح كالشمس ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر..)
السلطان هنا هو أي سلطة من أدنى السلم إلى قمته.. وعبارة (سلطان جائر) سبق لي شرحها فقلت أنها غير معرفة بالألف واللام.. أي أنه ليس في الدنيا (السلطان الجائر) المطلق.. بل هناك ( سلطان جائر) أي في لحظة ما.. في قرار ما.. في مسلك ما.. هو جائر.. (الجور) هو حالة أو قرار أو سياسة.. وليس أمراً مستديماً.
والحجاج بن يوسف الذي يوصف بأنه (أظلم من ظلم) كان حافظاً لكتاب الله وأفضل من يفسر القرآن ويتحدث في الفقه.. وفي عهده توسعت الفتوحات الإسلامية ودخلت بلاد كثيرة.. لكنه في لحظة ممارسة الظلم فهو (سلطان جائر).. حالة كونه جائراً في تلك اللحظة. ولذلك الحديث النبوي يحض على التعامل اللحظي المباشر مع حالة الظلم .. فاستخدم الحديث كلمة (عند سلطان) أي (عند) لحظة صدور القرار أو المسلك.. تأجيل ممارسة فضيلة (قولة حق) تنجب قرارات ظالمة تكبد المجتمع ويلات كثيرة..
النقيب أبوزيد مارس فضيلة (كلمة الحق) و(عند!!) اللحظة التي رأى فيها ما قدره جوراً وظلماً.. ربما كثيرون رأوا مارآه.. لكنه اختار أن يتطلع لدرجة (أفضل الجهاد).. ودفع ثمن ذلك حريته.. في غياهب السجن.
في مثل حالة النقيب أبوزيد.. حساب الأرباح والخسائر بائن.. تشرحها حكمة الشيخ ابن عطاء الله السكندري (إذا اتسع الفهم.. يصبح المنع.. هو عين العطاء..) .. الحرية التي (مُنع) منها أبوزيد.. هي في الحقيقة (عين العطاء).. منتهى الحرية..
وعلى رأي شاعرنا الفيتوي.. (جاهل من ظن الأشياء هي الأشياء..)
جاهل من ظن أن الحقيقة.. يحجبها ظلام السجن..!!
وصبراً أبا زيد.. فإن موعدكم فجر الحقيقة.. !!
الحكومة – ولله الحق– سعيدة للغاية بالتقرير السنوي للمراجع العام.. لأنه يمنح الصحافة والإعلام مادة (وهمية!!) ينصرفون إليها ويتركون الحكومة في حالها ترتاح من وعثاء السهر والكدر الإعلامي طوال العام.
إخوتي الصحافيين والإعلاميين.. هل قرأتم تقرير المراجع العام بتمعن؟ ليس هناك فساد ولا يحزنون.. هو تقرير روتيني يتحدث عن (مخالفات) أقرب للإدارية منها للمالية.. غالبها الأعظم ناتج إما عن اجتهاد خطأ (وللمجتهد أجران إذا أصاب وأجر إذا أخطأ).. أو عن تعمد لتجاوز اللوائح والقانون دون الإخلال بكون المال العام موجه في موقع عام آخر غير الذي حدده القانون..
لكن الفساد الذي تبحث عنه الصحافة بالمعنى المباشر لكلمة (فساد!!).. ليس محله تقرير المراجع العام.. ففي كل التقرير الذي أدلى به المراجع العام أمام البرلمان ليس هناك (فساد!!) ولا يحزنون.. بل ولمزيد من الدقة.. الفساد عموماً لا يتم في الدورة المستندية التي يراجعها المراجع.. بل ولا حتى في الأوراق الرسمية بصفة عامة.
حسناً تسألونني أين (الفساد)؟؟ الفساد في (قانون ديوان المراجعة القومي) الذي يعمل به المراجع العام..
هذا القانون قط أليف منزوع المخالب.. يجعل من المراجع العام وبقية منسوبيه الكبار والصغار مجرد (ضيوف!!) يطرقون باب المؤسسة الحكومية المطلوب مراجعتها بكل لطف وتهذيب ويلتزمون بالآية الكريمة (فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ.. وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا..).
مثلاً الخطوط الجوية السودانية (سودانير) التي تنشر صحيفة (اليوم التالي) هذه الأيام تحقيقاً صحفياً استقصائياً عنها.. كانت تملك الحكومة 30% من أسهمها وينص قانون ديوان المراجعة القومي على إلزام مراجعة أي شركة تمتلك الحكومة 20% وأكثر من أسهمها.. ومع ذلك ظلت دون مراجعة.. هذا مجرد مثال واحد فقط..
لكن الأنكد من كل ذلك.. هل تدرون كم يبلغ (أجر!!) المراجع.. لا أقصد المراجع العام ونوابه الكرام (رغم أن الأمر ينطبق عليهم أيضاً) بل أقصد أعضاء فرق المراجعة الذين ينتشرون في المؤسسات الحكومية لإعداد تقرير المراجعة لكل وحدة حكومة..
موظفو المراجعة يقبضون أجراً مماثلا للأجر الذي يناله رصفاؤهم في الخدمة المدنية.. بل أقل منهم بحساب البدلات و(المخارجات) الأخرى التي يتفنن فيها موظفو الخدمة المدنية.
إذا لم يُميز المراجعون في ديوان المراجعة بامتيازات وظيفية ومالية بائنة فإن قدرتهم على فرض (هيبة!!) المراجعة على أجهزة الدولة سيكون مشكوكاً فيها.. أي (ملاينة) أو (ظرافة) طفيفة من المؤسسة الحكومية التي يراجعونها تكفي للتأثير على أدائهم.. ولو نفسياً.
كيف ينجح جهاز الأمن والمخابرات الوطني في فرض هيبة القانون والنظام على الجميع؟.. طبعاً بـ(التمييز) الإيجابي.. الذي يجعل منسوبيه قادرين على ممارسة عملهم بكل سهولة ودون اعتراض. نفس الأمر ينطبق على ديوان المراجعة القومي.. لابد من تمييز (إيجابي) في شروط الخدمة والحصانات الوظيفية حتى لا ينتظر موظف الديوان –بكل أدب- أن تبتسم في وجهه المؤسسة الحكومية وتقول له (هيت لك..).
لا تضيعوا وقتكم في قراءة أرقام تقرير المراجع العام.. فليس فيها فساد ولا يحزنون..!!
صحف الأمس حملت خبر تأييد المحكمة العليا لعقوبة السجن بحق مزور للشهادات الجامعية.. ذكرني هذا الخبر تحقيقا صحفيا أجريته قبل سنوات حينما كنت في صحيفة (الرأي العام) عن تزوير الشهادات الجامعية.
للحصول على المعلومات اجتهدت للغاية في البحث عن (مزور شهادات) في المرة الأولى وجدت مزوراً محترفاً لكنه للأسف كان لحظتها في السجن.. ورغم أنه أبدى استعداده لتقديم خدماته من خلف القضبان إلا أنني تركته وبحثت عن آخر.. إلى أن وجدت ضالتي..
(المزوراتي) الذي عثرت عليه -ولله الحق- كان رجلاً تقياً ورعاً علامة الصلاة في جبينه.. لحية وقورة طويلة تنساب على جانبي وجهه.. تتدلى من كفه اليمنى مسبحة لا تفارقه أبداً.. كان من فرط تدينه إذا تأخرت قليلاً في الحضور إلى مكتبي.. وجدته يصلي بالناس إماماً بمنتهى الخشوع..
قلت له أريد شهادة جامعية لصديق مغترب.. سألني (صاحبك مستعجل؟؟) رددت عليه بسؤال (وما الفرق بين العادي والمستعجل؟) رد عليَّ بكل عفوية (إذا كان مستعجل بنطلع ليهو الشهادة من جامعة...) وذكر اسم الجامعة.. (أما إذا كان عندو وقت.. فكل الجامعات متاحة)..
سألته كيف أضمن دقة (التزوير)؟ فصديقي سيسافر بها للخارج فإذا اكتشفوا هناك التزوير فـ(يروح في 60 داهية).. كانت المفاجأة أنه رد بكل ثقة (أنا ما بديك شهادة مزورة.. الشهادة أصلية مائة في المائة)..
وشرح لي الطريقة.. (بعد أن تعطيني اسم صاحبك.. سنسجله في كشف القبول بالجامعة.. ثم ننجحه من أولى إلى ثانية.. ومن ثانية إلى ثالثة حتى التخرج من الكلية التي يريدها.. وبعدها نذهب ونستخرج له شهادة أصلية من مكاتب الجامعة.. كل ذلك في يوم واحد..).
بمعنى أن التزوير هو في كشوفات التسجيل للجامعة وليس في شهادات التخرج..
قلت له (على بركة الله نبدأ.. هات واحد شهادة مزورة!!).. مد لي ورقة فيها أسعار (الأتعاب) كانت المفاجأة.. كل جامعة لها سعر مختلف.. في أعلى القائمة جامعة الخرطوم بسعر أذكر أنه كان (650) جنيهاً.. ثم تنحدر القائمة حسب الجامعة.. سألته لماذا التفرقة بين الجامعات.. أليست كلها في النهاية شهادة (مضروبة!).. أجابني أن الفرق هنا ليس فرقاً في مستوى الجامعات بقدر ما هو فرق (صعوبة!!) التزوير.. الجامعة الأعلى سعراً أكثر صعوبة.. والأدنى في السعر فلأن شهادتها يمكن الحصول عليها بكل يسر وفي نفس الساعة..
المهم.. في ذلك التحقيق نشرت أسعار الجامعات.. حسب قائمة الأتعاب التي قدمها لي (المزوراتي)..
بعد نشر التحقيق.. كانت المفاجأة.. جاءني ثائراً وغاضباً رئيس مجلس إحدى الجامعات التي ورد اسمها في التحقيق.. ومعه المدير المالي للجامعة.. مد لي حزمة من المال وقال لي بكل حدة (أدينا شهادتين مزورات لجامعتنا..) قلت له (يا سعادتك.. القانون لا يحمي المغفلين.. إن استخرج شهادة مزورة لزوم تحقيق صحفي شيء.. أما أن أستخرجها بناء على طلبك.. فتستطيع أن تأخذني من يدي إلى أقرب مركز شرطة..).
ثار الرجل وخرج من مكتبي.. تاركاً المدير المالي الذي ابتسم وقال لي (عارف المزعلنا مش تزوير شهادتنا.. المزعلنا السعر..).
احتفلت شركة الخطوط الجوية السودانية أمس الاول بانجاز واعجاز جديد!!.. فتح محطة جديدة.. ولم تقصر إذاعة أمدرمان في بثّ الخبر السعيد، ونقلت لنا البهجة الرسميّة والشعبيّة بهذا النصر الكبير، و(الفتح!!!) المبين.
وقبل أن أذكر اسم المحطة الجديدة السعيدة، يجدر بي أن أربط الموضوع، بعمود جاري في الصفحة الأخيرة، الأخ مزمل أبو القاسم، رئيس تحرير هذه الوضيئة السامقة؛ صحيفة (اليوم التالي).. مزمل علق امس على جملة وردت في عمود (حديث المدينة) قبل بضعة أيام، فيها أشارة إلى أنّنا (أي السودان) أول من شارك في تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.. لكننا اليوم لا نملك كرة قدم.. والعبارة ذكرتها في سياق متصل لمبادرات سودانية سباقة في التاريخ، يدحضها واقع اليوم (الواقع أرضاً)..
ومعلومات الأخ مزمل بالطبع أفضل من معلوماتي الرياضيّة؛ سرد عدة بطولات إفريقية يرى ان فرقنا ومنتخبنا حققوا فيها انجازات مشرفة.. وخلص إلى أنّ واقعنا الكرويّ (بخير)..!!
ولا اختلاف بيني ومزمل إلا في حساب الأجيال.. فهو شاب لم يجلس إلى الراديو القديم (أبو بطاريّة كبيرة)، الذي كنا نسمع عبره طه حمدتو، وعلى الحسن مالك، وهم يذيعون لنا مباريات منتخبنا -مثلاً- في البطولة العربية في نهاية الستينات، وهو يمسح المنتخبات العربية بنتائج تدرّجت من خمسة صفر إلى تسعة نظيفة ضد اليمن، و(11) صفر ضد فلسطين، ووصلنا المباراة الختامية ضد (الجمهورية العربية المتحدة سابقاً)، مصر حالياً، وفي استاد القاهرة، وأمام الرئيس جمال عبد الناصر، ومائة ألف مشجع مصري لعبنا المباراة النهائية، ولمدة (120) دقيقة بالزمن الاضافي انتهت بالتعادل السلبي.. ففازت مصر بالقرعة (الظالمة)..
ثم في العام 1970 فاز منتخبنا بكأس الأمم الافريقية، متخطياً فرقاً أفريقية عريقة، مثل مصر وغانا.. ولم ينهزم السودان إلا بهدف يتيم من قدم لاعب ساحل العاج (بوكو)، في غفلة من حارسنا (سبت دودو)..
بحساب ذيّاك التاريخ الذي كانت فيه الفرق المصرية تستورد أفضل لعيبتها من السودان.. كان يفترض أن يكون منتخبنا ضيفاً ثابتاً في كل نهائيات كأس العالم، لا الكاميرون، ولا غانا، ولا الجزائر، ولا تونس، الذين لم يعرفوا كرة القدم إلا بعدنا بكثير..
لكن جاء زمان نحتفل فيه بالوصول إلى نهائي (سيكافا)!!!!!!
نفس الروشتة المحبطة.. تنطبق على خطوطنا الجوية السودانية.. التي كانت في الاربعينات تغطي معظم مدن السودان ومعها أسمرا.. ثم في بداية الخمسينيات وصلت الى أوروبا.. روما وفرانكفورت ولندن.. واليوم تحتفل (سودانير) بوصولها إلى مدينة الأبيض.. أي والله العظيم؛ مدينة الأبيض عروس الرمال، التي لو سفلتنا الطريق الجديد عبر بارا لأصبحت على بعد ثلاث ساعات بـ(الركشة)..
على كال حال مطار الابيض عرفناه.. خوفي ان تحتقل سودانير غداً بوصولها الى مطار (ود مدني)..
في فترة الحكم الحزبي بعد سقوط حكم الرئيس النميري وانقضاء الفترة الانتقالية.. اكتسحت البلاد موجة من الإضرابات.. نقابة عمال الصحة تعلن الإضراب.. فتجاملها نقابة عمال الطيران ونقابة موظفي الوزارة الزراعة.. ثم تنقلب الآية تضرب النقابات المجاملة فتجاملها نقابة عمال الصحة رداً على مجاملتهم في إضرابهم السابق.. ولا زلت أذكر نقابة دخلت في مشكلة مطلبية مع الحكومة فأعلنت إضراباً (تحذيرياً!!!) لمدة (14) يوماً. أسبوعان كاملان.. من باب التحذير فقط..
لكن النكتة كانت حينما أعلن عمال وموظفو البرلمان (الجمعية التأسيسية) الإضراب للمطالبة برفع أجورهم.. ضحكت عليهم الجماهير وقالوا لهم.. أنتم بالذات.. لو أضربتم عامين كاملين.. فلا مشكلة..!!
أمس نشرت الصحف خبر (المعركة!!) حامية الوطيس التي دارت تحت قبة البرلمان.. كادت المعركة تستدعي تدخل (شرطة مكافحة الشغب) لتفريق النواب المتأزمين والمتوترين..أتعرفون ما الذي (رفع أصوات) نوابنا الكرام الذين كادت دورتهم تنتهي ولم يسمع لهم الشعب صوتاً ينافح عن قضاياه؟؟
المعركة كان سببها اختيار رؤساء اللجان.. طبعاً سيظن الشعب الطيب المسكين أن السبب هو رغبة الجميع في خدمته والتنافس على لجان البرلمان.. لكنه لا يدري السر في المشكلة هو أن رئيس اللجنة يُعامل بدرجة وزير.. وينال مخصصات وزير.. ومن هنا تأتي (البركة!!) بركة معركة (الأشاوس) الشجعان من أجل رئاسة اللجان..
ولحل المشكلة زاد البرلمان عدد اللجان.. حتى تحل البركة في أكبر عدد من النواب.. رغم أن البرلمان كان في العام الماضي قلَّص عدد اللجان من باب تخفيض المصروفات.. الآن مع زيادة تدهور الاقتصاد وانكماش الموارد.. لا يجد البرلمان حلاً لمشكلة (معركة اللجان) سوى زيادة عدد اللجان.. على رأي الشاعر أبي نواس (داوني بالتي كانت هي الداء..).
بالله عليكم.. ألا يستحي نوابنا الكرام من شعب تتزاحم أولوياته وتهزه الأزمات الطاحنة هزاً.. أزمة في الخبز بطوابير طويلة كان نسيها سنين عدداً.. وأزمة في الوقود.. وحرب ضروس في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.. ونيران تحرق حدودنا الجنوبية قد تتسبب في وقف ضخ النفط الذي تعتمد عليه موازنة الدولة.. كل هذه المصائب ونوابنا (ألهاهم التكاثر).. تكاثر اللجان والمخصصات والمنافع الشخصية الضيقة..
لا سبيل لإصلاح البرلمان إلا بإحداث توازن سياسي داخله. وسبق لي أن قدمت مقترحاً لـ(الحل الرشيد) بتعديل الدستور واستحداث نظام التجديد النصفي للبرلمان وتصبح الانتخابات البرلمانية مرة كل عامين.. لتجدد نصف البرلمان فقط.. واقترحت أن يتنازل المؤتمر الوطني طوعاً عن نصف مقاعده حالياً وتجري انتخابات تجديد نصفي لا يشارك فيها حزب المؤتمر الوطني.. فتصبح للمعارضة نصف المقاعد.. ويناط بهذا البرلمان إجازة التعديلات الهيكلية في الدولة بما فيها الدستور وقانون الانتخابات والقوانين الأُخرى المعضدة للنظام الديمقراطي..
بغير برلمان متوازن سياسياً سيكون عسيراً انتظار الأمل في آخر النفق..!!
بكل أسف.. يا نواب البرلمان.. أنتم الآن أكبر أزمة يواجهها السودان..!! ضيعتم الأمانة..!! hadeeth.almadina@gmail.com
حتى لا تكون الصدمة أكبر مما قد يتخيل الشعب السوداني.. سأساعدكم قليلاً للاستعداد للمفاجأة التي توشك الحكومة أن تعلنها.. المفاجأة هي؛
أولاً: تعليق العمل بالدستور الحالي وتفويض الصلاحيات التشريعية لمؤسسة الرئاسة لحين إجازة الدستور الجديد.
ثانياً: حل البرلمان الحالي (المجلس الوطني) وتكوين لجنة قومية من كافة الأحزاب لإعداد وإجازة الدستور الجديد..
اللجنة القومية الدستورية التي ستكلف بإعداد الدستور ستكون برئاسة السيد الصادق المهدي وتضم في عضويتها عددا من رؤساء الأحزاب على رأسهم الدكتور حسن الترابي بصفته خبيراً دستورياً أكثر من صفة زعامة حزب المؤتمر الشعبي.. وستمثل كل الأحزاب في اللجنة القومية وتتاح الفرصة للحركات المسلحة للمشاركة بممثلين فيها.
وسيكون من مهام اللجنة الدستورية إعداد وإجازة قانون الانتخابات الجديد....
حزب المؤتمر الوطني والحكومة ومن باب تقديم الضمانات والتنازلات اللازمة لإقناع القوى المعارضة بالانخراط في (خريطة الطريق).. ستقدم وعداً مكتوباً للأحزاب بموافقتها على إعلان حكومة قومية من كل الطيف السياسي في حال نجاح اللجنة القومية لإعداد الدستور في الوصول إلى دستور متوافق عليه بالتراضي السياسي الشامل..
سيكون أبرز مهام الحكومة القومية الشاملة الإشراف على مرحلة انتقالية محدودة تمهيداً لانتخابات نيابية عامة ورئاسية..
حزب المؤتمر الوطني والحكومة.. يأمل أن يلعب السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي دوراً مؤثراً في تسويق هذه الإجراءات دولياً وعربياً وإقناع المملكة العربية السعودية على وجه التحديد بجدية هذه التغييرات وأهمية أن تضع المملكة ثقلها الدولي الدبلوماسي خلف السودان في هذه المرحلة ودعمه في المحافل الدولية خاصة عند الدول ثقيلة الوزن وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.. التي تأمل الحكومة أن تمهد هذه التغييرات لتطبيع العلاقات وإنهاء المقاطعة الاقتصادية الأمريكية وإخراج السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب..
أغلب الظن في تقديري أن قرارات الحكومة ستحدد مصفوفة زمنية لتأكيد جدية هذه القرارات وستمنح اللجنة القومية لإعداد الدستور مهلة ستين يوماً فقط..
قرارات الحكومة هذه.. ستحدث صدمة مؤقتة للقوى المعارضة في محاولة لاستيعاب الأمر.. وسيحدث انقسام عميق بين الموافقين فوراً وبشدة وبين المترددين.. ولكن في كل الأحوال ستكتمل موافقة جميع الأطراف بعد قليل من المحاككة والتراشق الإعلامي.. حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم ستكون أولى الحركات المسلحة التي تقبل بـ(خريطة الطريق) مع اشتراطها الإبقاء على واجهة (الجبهة الثورية) ممثلة لكل الحركات المسلحة في لجنة الدستور.
لكن المفاجأة الأكبر التي ستعلنها الحكومة.. ومن باب تقديم حسن النوايا.. ستعلن الحكومة حل الحركة الإسلامية..
في الجمعتين الماضيتين تحدثت عن الفرق بين (الفؤاد) و(القلب) في القرآن الكريم.. اسمحوا لي اليوم أن أكمل الدائرة والمعنى بربط الموضوع بكلمة (الصدر)..
ما الذي يرمي إليه القرآن من استخدام كلمة (الصدر).. هل هو ذلك الجزء الذي يقع بين الحنجرة والبطن.. ويتوسطه القلب.. كما ذهبت إلى ذلك غالبية التفاسير؟
بعد تجميعي لكل الآيات التي وردت فيها كلمة (الصدر) بمختلف صورها.. لفتت نظري ملاحظتان مهمتان..
الأولى.. أن المعاني المرسومة في كل الآيات لـ(الصدر).. تمنحه صفة (المخزن).. ليس بالمعنى الحرفي الذي قد يخامر الذهن في صورة المبنى الصندوقي الذي تُخزن فيه الأشياء.. وإنما بالمعنى الافتراضي الأقرب إلى (قاعدة المعلومات) Database.
هذا المخزن (قاعدة المعلومات) يتعرض خارجياً لتأثيرين فقط.. الأول (الشرح) وهو الاتساع والسعة.. والثاني: الضيق.. وهو الانقباض.
بالنسبة للأول (الشرح) الآيات يحفظها الجميع (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)..
أما بالنسبة للثاني: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الأنعام (125)
هذا في الجانب الخارجي لـ(الصدر).. أما من الداخل فالصدر في كل الآيات التي جمعتها (وعاء) موسوم بما فيه.. (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ).. (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) العنكبوت (49).
القرآن حدد (الفيروس) الأخطر الذي يدمر هذا (المخزون) الذي في الصدر (قاعدة المعلومات) وهو فيروس (الغِل، والكِبر) (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) الحجر (47).. (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) غافر (56).
(الغل) هو الحقد الكامن والعداوة.. و(الكِبر) هو العظمة والتجبر.. وبالتأكيد الصفتان هما أس البلاء والوباء.. أدوات الشر المستحكم في عالم البشر منبعه الغل والكبر.
الآن لنجمع الثلاثة.. (الفؤاد) و(القلب) و(الصدر).. قلت لكم (الفؤاد) هو مجمع المعلومات التي تتدفق من الحواس (البصر والسمع وغيرهما).. أما (القلب) فهو البرمجيات (Software) التي تحدد الحركة والسكون إرادة الإنسان وقراره.. وأخيراً (الصدر) هو قاعدة المعلومات Database التي تؤثر على معطيات البرمجيات.
المسلم الذي يتعرض للتهديد فيضطر للتظاهر بالكفر لا إثم عليه.. لأن (قاعدة معلوماته) سليمة معافاة وهو مجرد طلاء ظاهري باللسان..لاحظ جيداً للتعبير القرآني.. في وصف من يحشو (قاعدة معلوماته) بالكفر.. (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) النحل (106).
الهداية نور من الله.. ينظف (قاعدة المعلومات) من كل الشرور (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الأنعام (125).
المؤمن الحقيقي لا يجعل الشعائر والعبادات الدينية مجرد (طقوس) يجمع بها الحسنات مثل ما يفعل الطفل عندما يضع النقود في الحصالة.. أو العميل الذي يودع أمواله في البنك.. فليس ذلك مقصد الدين الإسلامي.. أن يحول البشر إلى صائدي وجامعي (حسنات) رقمية حسابية.. بل الهدف الأسمى للدين ترقية وتطهير مسلك الإنسان وعلاقاته بالآخر. .(من حيث هو آخر إنسان أو حيوان أو نبات أو حتى جماد)..
ما كتبته هنا يوم الخميس (أمس الأول) عن توقعاتي لـ(المفاجأة) التي وعدت بها الحكومة ويترقبها الشعب السوداني.. هو محض قراءة تحليلية للمشهد السياسي.. كثيرون اتصلوا بي ذهب ظنهم أنها (معلومات) تسربت من العالمين ببواطن الأمور.. وبالتأكيد مثل هذا الظن يبرهن على أن قراءتي يسندها المنطق..
الأزمة السياسية الآن لا مخرج منها بأية اجراءات أو تغييرات (مظهرية).. الحكومة تلعب الآن تحت الأضواء الكاشفة.. الجميع في الداخل والخارج يراقب ويرى كل التفاصيل.. وانتهى زمن المناورات و(تشتيت الكرة) لكسب الوقت.. ولو حاولت الحكومة أن تبيع للشعب أية وعود بشيكات سياسية (آجلة الدفع) فإن القطار لن ينتظرها.. سيناديها منادي (فاتكم القطار!!)..
انظرواً جيداً في الأوراق التي بيد الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم.. ستكتشفون أنه ليس بالإمكان سوى التقدم إلى الأمام بحزمة (تنازلات) مدروسة.. الهدف الأول منها هو كسر حالة العزلة الشديدة التي تعانيها الحكومة وحزبها.. فمهما تحدى المؤتمر الوطني المعارضة و(عيرها) بضعفها وقلة حيلتها لكنه يدرك أن الخوف اليوم ما عاد من المعارضة سلمية كانت أو مسلحة..
عين الحكومة باتت ترقب بكل حذر أخلص الخلصاء من أهل البيت.. فالمحاولة الانقلابية التي أحبطت في العام ٢٠١٢ لم تدبرها الجبهة الثورية.. بل الصفوة (من بيت الكلاوي) التي ظلت تحرس الإنقاذ منذ كانت نطفة.. ووجه الاتهام فيها لرجال من بينهم أرفع شخصية (سابقاً) في أرفع مؤسسة تحمي الحكومة..
(من مكمنه يؤتى الحذر) هي الحكمة التي باتت الحكومة تتحسب لها.. والتغييرات الأخيرة التي خلعت الحرس القديم لم تقرب الحكومة من المعارضة بينما زادت من شقة المسافة بينها والبنية التحتية الفكرية التي ظلت تعول عليها طوال ربع قرن من الانفراد بالحكم..
العزلة التي يعانيها حزب المؤتمر الوطني وحكومته لم تكن في يوم من الأيام طوال سنوات الإنقاذ بمثل هذا الاختناق.. والضراوة.. وليس أمام الحكومة وحزبها إلا البحث عن (خارطة طريق) تتجنب المرور بحافة الهاوية.
وحيث لا خيارات.. فليس أمام المؤتمر الوطني والحكومة إلا (صعق) الشعب السوداني بمفاجآت تمنح المباراة عمراً إضافياً.
لا أحد يعلم على وجه اليقين ما ستنطق به الحكومة خلال الساعات القليلة وربما الأيام القادمة لكن بالتأكيد الذي يعلمه جميع الناس والحكومة قبلهم أن الحد الأدنى مطلوب من (الصدمة) لم يعد مجرد وعود بتغيير السياسات.. فما أسهل الانقلاب على السياسات.. فالحكومة التي لم تأبه حتى لما نص عليه دستورها الذي ولدته من صلبها.. لن يكلفها كثيراً الاستدارة خلف وعودها مهما أجزلت فيها من التأكيدات..
الأسهل للحكومة (حسب تحليلي) هو ما ورد في عمود حديث المدينة يوم الخميس.. حل البرلمان.. وتعليق الدستور.. وتشكيل لجنة قومية لإعداد الدستور الجديد وقانون الانتخابات.. لجنة محكومة بأجل قصير محدد (ربما في حدود الستين يوماً).. تفضي الى تشكيل (سفينة نوح) كما وصفها السيد الصادق مهدي.. فيها من كل زوجين اثنان.. تقود المرحلة التالية حتى الانتخابات في موعدها الجديد عام (٢٠١٧)..
حينها ستقول الإنقاذ للشعب: (ربيعنا العربي.. بيدنا لا بيد عمرو)..
[/justify]
في نفس هذه الساعة التي أكتب فيها هذا العمود.. بالتحديد في مساء 25 يناير عام 1885.. وفي تفس الموقع الذي أقيم فيه حالياً كوبرى النيل الأبيض الجديد (جسر الإنقاذ).. استقل الإمام المهدي مركباً نهرياً عبر به من أم درمان إلى الخرطوم.. ليعلن (ساعة الصفر) ويطلب من قواته الانقضاض على الخرطوم واقتحام أسوارها صباح اليوم التالي (في مثل هذا اليوم.. صباح يوم 26 يناير).
عندما قررت ولاية الخرطوم (في عهد وزير الشؤون الهندسية د. شرف الدين بانقا) افتتاح كوبري النيل الأبيض الجديد.. كتبت في صحيفة (الرأي العام) أرجو السيد والي الخرطوم –آنئذ- أن يطلق اسم البطل القومي (الإمام محمد أحمد المهدي) على هذا الجسر.. تيمناً بتلك الذكرى.. ولكن بدلاً من ذلك أُطلق عليه (جسر الإنقاذ) ولما سألت المسؤول عن ذلك لماذا اختاروا هذا الإسم قال لي (It is safe politically ).
لا زلت مصراً أننا في حاجة لإعادة قراءة تاريخنا.. كثير من الأحداث الصغيرة.. نفخناها وحولناها إلى لافتة عريضة.. بينما البطولات القومية الشامخة مندثرة معلبة في سجلات المتاحف الباردة..
ذكرى رفع العلم السوداني في الفاتح من يناير 1956 مناسبة (ضخمة!!) يتعطل لها دولاب العمل وتتنشر لها أقواس الفرح وأكاليل الأنوار في واجهات المقار الحكومية.. بينما ذكرى الثورة الأكبر في تاريخ العالم الإسلامي.. الثورة التي وحدت كل أبناء وبنات السودان فأنجزوا معجزة العصر بقهرهم جيوش أقوى إمبراطورية في ذلك الزمن.. ذكرى منسية.. لا يحتفل بها سوى الحفيد الإمام الصادق المهدي كأني بها مناسبة أسرية خالصة.
يجب تصحيح هذه الصورة المقلوبة.. فهي علاوة على تقزيم بطولاتنا الكبرى.. تحول التاريخ القومي السوداني إلى محميات حزبية.. الثورة المهدية محمية يختص بها حزب الأمة.. ذكرى الاستقلال ورفع العلم السوداني في القصر الجمهوري ذكرى (اتحادية) يجيرها الحزب الاتحادي (جناح الزعيم أزهري).. وذكرى استشهاد الخليفة عبدالله في (أم دبيكرات) يحتفل بها الأستاذ حسين خوجلي في برنامجه ذائع الصيت.
أقترح أن يطلق على يوم (26 يناير) (عيد النصر).. ويأخذ موضعه الرفيع في التقويم الرسمي للدولة.. لا نريد عطلة فنحن أصلاً في حالة عطلة مستمرة بمعدل عملنا المتواضع.. لكن على الأقل أن نضع لهذا اليوم مراسيمه التي تلفت النظر لبطولات أجدادنا.. مثلاً.. أن يقوم رأس الدولة في مثل ليلة هذا اليوم (ليل 25 يناير) بعبور النيل الأبيض من أم درمان إلى الخرطوم في نفس الموقع والمسار الذي عبر به الإمام المهدي.. بنفس المركب النهري البسيط الذي استخدمه الإمام المهدي.. وعدة مراسيم احتفائية أخرى.
بعض الأمم التي تعاني من شح (البطولات الوطنية) تجتهد في ابتكار وصناعة القصص التي تمجد تاريخ شعوبها بالحق وبالباطل. فلماذا ونحن نملك رصيداً تاريخياً سامقاً نتجاهله ونبخسه بمثل هذا المسلك العجيب.. ستأتي أجيالنا القادمة منزوعة الهوية والعزة والكرامة الوطنية.. أجيال تفترش جغرافيا السودان تماماً مثلما يفترش عابر السبيل مقامه المؤقت قبل مواصلة رحلته..
البروفيسور إبراهيم غندور مساعد رئيس الجمهورية، في مواجهته للأستاذ أحمد البلال الطيب في برنامج (في الواجهة) بتلفزيون السودان مساء السبت أمس الأول.. نطق بعبارة مفتاحية مهمة للغاية.. لو انتبه إليها لاكتشف (السر!!).. سر الأزمة التي تحكم خناقها على البلاد.
غندور معلقاً على توقعات الصحفيين لـ(مفاجأة الرئيس البشير).. قال (البعض يريد حرق المراحل)!!.. ويقصد أن الوقت لم يحن لـ(تغيير) جذري أو راديكالي.. وأنه (ما زال الليل طفلاً يحبو)..!! على رأي العبارة المشهورة في ميكرفونات ليالي الخرطوم الساهرة أيام زمان.
بالتأكيد هذه العبارة هي مربط الفرس.. حكاية (المراحل!!) هذه.. الإنقاذ صارت أشبه بعجوز تساقطت عنها زهور العمر وهي تتخطى الستين ومع ذلك تظن أن (المراحل!!) لا تزال في جيبها..
لو حدَّق البروف غندور بلا حجاب أو هوى السلطة في المشهد السياسي الراهن لأدرك أن (المراحل كلها احترقت!!) ولم يبق شيء.. وأن أي اندفاع نحو (التغيير) الآن نزعة النجاة Survival في روحه أقرب من روح الإصلاح.. ربع قرن من الاحتكار المطلق للسلطة لا يمكن بعده الحديث عن (مراحل!!).. الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نفسه لم يمنحه الله مثل هذه الفسحة من الحكم.. في عشر سنوات فقط غيَّر حال الدنيا وألهمها الطريق المستقيم الذي لا يزال يرسم حياة البشر..
البروف غندور مسح كل التوقعات وأكد أن (لا) مفاجأة.. وقال إن المنتظر القادم هو مجرد بيان يحدد ملامح سياسات جديدة.. ولو تأمل غندور في حجم أثير التفاعل الشعبي لوجد صورة مشبعة بالحماس لأي (مفاجأة).. لكن ليس في خاطر الشعب أبداً أن تكون هذه (المفاجأة) مجرد إعلان سياسات أو تهويمات جديدة.. الشعب شبع من مثل هذه الإعلانات.. وما ينتظره الآن (قرارات!!).. وليس أي قرارات.. قرارات سافرة كالشمس تغير كامل مسار القطار.. انتهى زمن القصائد والبلاغة والشطارة.. وحان وقت الحقيقة..
أي أمر غير هذا سيكون (المفاجأة) بالنسبة للحكومة أن لا أحد معني به..
إحباط مرير اعترى الشارع السوداني بعد تصريحات البروف غندور.. فهو بذل جهداً كبيراً ليقول للشعب السوداني (نحن يانا نحن.. لا غيرتنا الظروف ولا هزتنا محنة).. اعتداد بالماضي مهما احتمل من أثقال وأخطاء جسيمة.. مزقت الوطن وحولته إلى كتل نارية متشظية..
تشوُّق الشعب لـ(مفاجأة) يعني أنه غير راض ولا مقتنع بكل الحاضر.. وأن لا شيء يلهمه الصبر الآن أكثر من انتظار (مفاجأة) تنتشله من بئر اليأس..حالة انعكاس مباشر لمدى ما ينتظره الشعب من (تغيير).. فإن أضاعت الحكومة هذه الفرصة.. فلا أظن أنها ستلحق بالقطار.. سيتحقق فيها قول الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح (فاتكم القطار..!!)
على كل حال.. حسب الأخبار.. السيد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير سيكشف الليلة في مؤتمره الصحفي عن (القرارات) أو (السياسات) التي ظل ينتظرها الجميع.. وكلنا ننتظر..!!
أنا شخصياً (المفاجأة) أكبر مما توقعت.. شاهدت خطاب السيد رئيس الجمهورية عبر شاشة التلفاز.. وشاهدت في القاعة الرئاسية بقاعة الصداقة وفي الصفوف الأولى رؤساء الأحزاب الحاكمة والمعارضة.. ووجهاء المجتمع السوداني.. والسفراء وما تيسر من رؤساء التحرير.. وأكثر من ثلاثين مليون سوداني في الداخل والخارج ظلوا ينتظرون الخطاب و(المفاجأة).. التي وعدهم بها مولانا أحمد إبراهيم الطاهر.. ولكن المفاجأة الأكبر كانت أن (لا) مفاجأة..
الدكتور أمين حسن عمر الذي استضافه الأستاذ الطاهر حسن التوم في برنامج (حتى تكتمل الصورة) للتعليق على الخطاب قال إن هذه مجرد (مقدمة) للوثيقة التاريخية التي سيعلنها حزب المؤتمر الوطني بعد أسبوع.. حسناً لماذا لا تجعلون (المقدمة) لمن هو أقل موقعاً وتتركون السيد رئيس الجمهورية للكبيرة.. للوثيقة نفسها.. للمتن بدلا من المقدمة..
الوضع صار أكثر من واضح.. لا جديد..
على كل حال الأمر لا يحتاج مني لتعليق اليوم
[/justify]
قبل أكثر قليلاً من عام ابتدعت إذاعة (الكوثر) بدعة غريبة.. أطلقت حملة سمتها (السودان أكثر قطر إسلامي يصلي على النبي).. وظلت تدعو مستمعيها للإكثار من الصلاة على المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.. وتكرر الإذاعة الصلاة بأسلوب عددي يهدف لتحقيق غاية الحملة وهي (جمع) مئات الملايين من الصلاة على النبي..
حسناً.. رغم أنني لا أعرف العدد الذي تمكنت الحملة من جمعه.. إلا أنني موقن تماماً.. أن ذات السودان الذي فاز (بفضل الحملة) بكأس أكثر قطر إسلامي صلاة على النبي هو نفسه الذي ضرب مبلغاً مريعاً في أكثر الصفات (المجتمعية) التي لم ينه عنها الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن فحسب.. بل زجر وتوعد وهدد من يقترف هذه الشرور بالويل المستطير هنا في الدنيا قبل الآخرة..
هل تصدقون (حسب إفادة الخبراء) أن غالبية ما يباع من طعام محلي أو مستورد مغشوش.. حتى الموز فاكهتنا المحببة الحنينة التي من فرط حنيتها بنا يشتريها الغني والفقير.. حتى هذا الموز وعلى كثرته مغشوش.. لونه الأصفر الفاقع الجميل هو نتيجة غش تجاري قاتل.. مخلوط بمواد كيماوية خطيرة.. عملية لا تتم في الخفاء خلسة عن عين القانون.. بل في قلب السوق وأمام بصر وسمع الجميع ولا تجد من الأمة التي نالت كأس الصلاة على النبي من يمارس فيها فضيلة النهي عن المنكر.. وأي منكر.. منكر قاتل خطير..
وعلى السياق ذاته كل الفواكه الأخرى.. برتقالنا الأخضر الجميل حرقوه بالكيماويات ليصبح مثل البرتقال المستورد أصفر فاقعاً.. والطمام (معطونة) في سموم المبيدات والمخصبات.. والبامية والباذنجان والبطاطس.. ولا أعلم هل وصلنا مرحلة (الجرجير) أما لا يزال فينا رمق من أمانة الزراعة والتجارة..
الخبز منفوخ ببروميد البوتاسيوم.. واللبن بالماء المضاف والمضادات الحيوية المضافة ليظل أطول مدة في المحال..
ويتواصل مسلسل الغش في الأدوية ومستحضرات التجميل والعطور والصابون والحلوى والمعلبات كلها.. والزيوت..
كل هذا الحصاد المر من تحت أيدي أبناء البلد الذي فاز بـ(كأس أكثر قطر صلاة على النبي)..
إذن يجدر السؤال ما معنى الصلاة على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) إن كانت لا تمنع من الحصول على (كأس!!) الفساد والغش التجاري..
لماذا نحول الدين إلى لعبة أرقام.. مصلحة من أن نتحول إلى شعب مؤمن (ديجتال) كل همه أن يجمع أرقام التسابيح والتحاميد والتهاليل ظناً أن الدين (آلة حاسبة) غايتها الرصد الرقمي..
انظر إلى صلاة الجمعة.. راقب كيف يدخل الناس إلى المسجد وكيف يخرجون.. الصغير يزاحم الكبير ويتخطى رقبته.. بمنتهى التخلف الأخلاقى.. وأين؟ في بيت الله نفسه.. ونحن نظن أننا بذلك نحسن صنعاً.. أليس ذلك منتهى (فصل الدين عن الدولة) أن نظن أن العبادة طقوس حركية ولفظية معزولة عن مسلكنا العام.
الغرب وأمريكا يبزوننا في العلم والدين والدنيا لأنهم لا يمارسون الدين (الديجتال).. دين غايته جمع الألفاظ بعيداً عن التأثير على المسلك والأخلاق المجتمعية الشريفة..
بالله عليك انتبه جيداً ولا تجعل من نفسك مؤمن (ديجتال).. الألفاظ التي لا تغير السلوك هي مجرد لغو.. مهما ارتبطت بالمفردات المقدسة
[/justify]
حسناً.. المفاجأة وتخطاها الشعب بعد صدمة جارحة.. وخطاب آخر اعلنوا عنه ثم تراجعوا عنه.. ماهي الخطوة التالية؟؟
حزب المؤتمر الوطني لامتصاص كارثة المفاجأة أعلن عن حوار مع الأحزاب (طبعاً هو الحوار رقم ألف في سلسلة حوارات مضى عليها ربع قرن).. وهو حوار مفتوح الزمان والأجندة والغايات وقد يفشل قبل أن يبدأ .. تحت ثقل الإحساس الكبير باليأس من الإصلاح لدى كل اللاعبين السياسيين بما فيهم الحزب الحاكم نفسه..
الأحزاب المتحالفة مع الحكومة والمعارضة على حد سواء تعاني هشاشة العظام واضمحلال الهمة.. وهي نفسها جزء من الأزمة السياسية لأنها بلا استراتيجية أو رؤية حصيفة للمستقبل.. وإزاء هذا الوضع يصبح الوطن السودان وكل أهله الكرام في عراء الأمل ينتظرون (محاسن الصدف)..
اقترح على حزب المؤتمر الوطني أن لا يضيع الزمن في (حوار الطرشان) مع نفسه أو غيره.. الأفضل النظر لآمال الشعب الكبيرة التي كانت تنتظر بلهفة خطاب الرئيس, والأماني العراض التي تعلقت بقرارات منتظرة في الخطاب لم تتحقق.. على أنها استفتاء واستطلاع بل وحوار بصوت عال مع الشعب..
الشعب كله كان ينتظر من الرئيس قرارات تغير الواقع والحال.. هذا يعني أن الواقع مرفوض جداً من كل الشعب.. وأن التغيير والإحلال والإبدال الذي طال الأشخاص في المستوى القيادي لم يكن كافياً في نظر الشعب لتحقيق الإصلاح المنشود..
إذاً حوار مع من؟ ولأجل ماذا؟؟ الأجندة التي يتمناها الشعب السوداني باتت واضحة للغاية.. تغيير في العقلية ومنهج الحكم.. عبر عن ذلك الشعب بأمواج الرفض الكاسحة لواقع ما بعد خطاب الرئيس ولم يعد في مقدور الأحزاب ولا الحزب الحاكم استنباط أية أجندة غير تلك التي عبر بها الشعب عن رغباته وآماله..
الوقت ليس في صالح الوطن (بل ولا الوطني).. وحكاية الحوار مع الأحزاب مضيعة للوقت.. وحتى لا نغني (فاتكم القطار) الأوجب أن تدرك الحكومة أن مايجب فعله واضح ولا يحتاج إلى مشورة الأحزاب.. إلا إذا كانت فعلاً تلعب لعبة الوقت و(تشتيت الكرة).
لا تضيعوا وقتاً أكثر مما ضاع.. احترموا رغبة الشعب في (التغيير) ..
[/justify]
أسعدني أن التحقيق الصحفي (جثة مجهولة الهوية) حرك قضية وطنية منسية.. قضية شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) .. التي تصلح مثالاً باهراً للفساد متضامناً مع سوء الإدارة.
قبل عدة أيام عقد مجلس الوزراء منتدى للتداول في مستقبل (سودانير).. وأمس الأول اتصل بي المهندس عبد الله مسار رئيس لجنة النقل بالمجلس الوطني (البرلمان) وأكد أن اللجنة وضعت (سودانير) في أولوياتها ورسمت خارطة طريق محددة للتعامل مع هذه القضية في محاورها الثلاث.. الجنائي والإداري والفني..
وفي تقديري – رغم أن حلقات التحقيق الصحفي لم تنته بعد- أن أي حل لقضية (سودانير) لا يراعي حقيقة مهمة ومصيرية للغاية فهو محض إمعان في الغي..حقيقة أن الحكومة غير مؤتمنة على مصير (سودانير).. كفاية تجريب.. كفاية عبثاً بناقلنا الوطني.. فالحكومة أُتيحت لها فرص كثيرة أثبتت فيها أنها(غير قادرة ولا راغبة) في المحافظة على (سودانير) محلقة في الفضاء الذي يليق باسمها التاريخي الكبير.
أي بصيرة حل لا تقوم على هذه الحقيقة.. حقيقة أن الحكومة لا يجب أن تحتكر وحدها قرار مصير (سودانير) سيضيف كارثة جديدة.
أقترح.. أن تتحول الخطوط الجوية السودانية (سودانير) إلى شركة مساهمة عامة.. يسمح للحكومة بالإمساك بـ(26%) من أسهمها.. و يترك (34%) من بقية الأسهم مفتوحاً للمساهمة العامة من كافة أبناء السودان بالداخل والخارج.. بينما الـ(40%) المتبقية تتاح لشريك استراتيجي يملك(الخبرة والمال).
برأسمال (500) مليون دولار.. وقيمة السهم مائة دولار فقط (إجمالي الأسهم خمسة مليون سهم).. وبعد تقييم أصول سودانير الحالية لصالح الحكومة سيكون مطلوباً من الحكومة سداد حوالي (80) مليون دولار فقط ( من أصل 130 مليون دولار بحساب الأصول كلها في حدود 50 مليون)..
الشريك الأجنبي الإستراتيجي سيكون نصيبه (200) مليون دولار.. بينما على الشعب السوداني المساهمة بالباقي (170) مليون دولار..
مساهمة الجمهور السوداني سهلة للغاية.. فقيمة السهم (100) دولار فقط.. تسدد بتذاكر السفر.. فالمساهم السوداني الذي يشتري سهماً واحداً (100 دولار) سينال تخفيضاً في تذاكر السفر على (سودانير) بنصف قيمة الأسهم.. (بالسعر الرسمي ما يعادل حوالي 260 جنيهاً في كل سهم).. وينطبق الأمر على الشحن الجوي بنفس التخفيض.
سنضرب عصفورين بحجر واحد.. نشجع مساهمة السودانيين (بدافع الرغبة في الحصول على تخفيض التذاكر) ونزيد من جاذبية السفر بـ(سودانير) بما يناله المسافر من تخفيض.
الأولوية ستكون للحصول على أسطول طائرات (ركاب وشحن) يستعيد المحطات الخارجية والداخلية على حد سواء..
ستظل المعضلة الأكبر.. هي شح الثقة الشعبية في أي عمل تكون الحكومة هي سيدة القرار فيه.. و(سودانير) بالتحديد جسمها ليس فيه موضع لضربة سيف أو طعنة رمح .. من (عمائل) العقود الماضية..
يجب التعويل على مجلس إدارة من شخصيات محظية بالثقة الشعبية والنزاهة.. فإذا تحقق ذلك فستحتاج (سودانير) إلى مشروع تأهيل أخلاقي لـ(إعادة الثقة) هائل ينشط فيه الإعلام الرسمي والخاص.
ومثل (سودانير) مؤسسات أخرى كثيرة نحن في حاجة لتحريرها من قبضة الحكومة..!!
الدكتور غازي صلاح الدين زعيم (حركة الإصلاح الآن) ينشط هذه الأيام في اجتماعات ثنائية.. بدأها بحزب المؤتمر الشعبي الذي سجل زعيمه الدكتور الترابي زيارة لمقر (حركة الإصلاح الآن) ثم لقاء بالإمام الصادق المهدي وحزبه.. أسفر عن إعلان تشكيل (غرفة عمليات) مشتركة.. وهي عبارة لم أفهمها حتى الآن..
ورغم قناعتي بأن الدكتور غازي جاد وراغب في صناعة إصلاح حقيقي.. إلا أنني موقن بأن غازي وحزبه (رايح ليهم الدرب) فهو يحاول أن يبحث عن المشتركات مع الأحزاب الأخرى.. واستغلال حالة الإحساس بأن المؤتمر الوطني بدأ يتلمس طريق الخلاص من الأزمة السياسية المستحكمة..
صدقني يا دكتور غازي.. ستضيع وقتك في (إعادة اكتشاف العجلة).. لسبب بسيط.. أن المشتركات بين جميع الأحزاب.. من أقصى يمين حزب المؤتمر الوطني إلى أقصى يسار الحزب الشيوعي أكثر كثيراً من أية خلافات.. لكن المشكلة الكبرى هي في الإجابة عن السؤال الحتمي: "من يعلق الجرس في رقبة القط"؟؟
المؤتمر الوطني - ودون قصد منه - قدم خدمة لا تقدر بثمن.. شرح لكم بيانا بالعمل كيف تحشد الشعور الشعبي خلفك.. فتصنع أجندة الناس والأحزاب والمستقبل.. قدم هذا الشرح من خلال تداعيات خطاب الرئيس الأخير..
اختصر يا دكتور غازي الوقت والجهد ابحث عن أكبر حزب سياسي في السودان وضع ثقلك معه.. أكبر حزب هو الحزب الذي لم يسجل في مسجل الاحزاب وليس له ناطق رسمي ولا مقر ولا شعار.. هو حزب الأغلبية الصامتة (الصامدة) من الشعب.. حزب يتفرج على المشهد السياسي بمنتهى الإشفاق على الوطن و(الشفقة) على أحزابه التي تضيع الوقت في لا شيء..
طريق التفاهم مع الأغلبية الصامتة سهل جداً ومضمون جداً وفعال جداً ومؤثر جداً..
بنفس الطريقة التي حشد بها حزب المؤتمر الوطني (دون أن يقصد) شعور كل السودانيين ليلة خطاب السيد رئيس الجمهورية المشير البشير.. بنفس الطريقة يمكنك حشد وتركيز اهتمام كل السودانيين من أجل الضغط على الزر وعمل Click..
الدكتور الترابي سبق أن قال لنا في إحدى زياراتنا له في بيته.. إن الشعب السوداني لا يحفل بـ(البرامج!!) الحزبية.. وإنه لا يعاير ولا يمايز بها في تقييمه للأحزاب عند الاحتكام لصندوق الانتخابات.. وأذكر أنني قلت له.. بل العكس تماماً الأحزاب هي التي لا تعرف كيف (تسوق) برامجها للشعب..
يا دكتور غازي.. لاختصار الزمن والجهد ابحثوا عن جملة مفتاحية slogan.. فاقعة حمراء رنانة موحية جامعة.. تصنع الحدث والحديث واتجاه الرياح (لم أقل الريح.. والفرق بين الرياح والريح معروف)..
ستجد بمجرد الضغط على زر (Click) أن الأحزاب تجمعت خلفك بما فيها المؤتمر الوطني نفسه.. بلا عملية جراحية على قول الشيخ البرعي (لا حقنة لا مشرحة)!!
زرت نهار أمس القصر الجمهوري بدعوة كريمة من البروفسيور إبراهيم غندور في مكتبه الجديد الذي خلف فيه الدكتور نافع علي نافع في منصب مساعد رئيس الجمهورية.. اللقاء استمر زهاء الساعة أوضح فيه البروف غندور بعض النقاط التي يرى أنها (اعتسفت اعتسافاً) في حديث المدينة خلال الفترة الماضية..
غندور يرى أن حزب المؤتمر الوطني مهد لمرحلة جديدة من خلال خطاب السيد رئيس الجمهورية الأخير.. مرحلة يرى المؤتمر الوطني أن تفاصيلها يجب أن تكون من بنات أفكار الحوار (الشامل) بين كل القوى السياسية السودانية بلا استثناء.. وأن رؤية المؤتمر الوطني جاهزة ومكتوبة لكنها ستوضع على نفس الطاولة التي تستقبل كل مقترحات ورؤى الأحزاب الأخرى .. على قدم المساواة..
وضرب مثلاً بقضية الحريات.. وقال إن المؤتمر الوطني ينتظر من الأحزاب أن تشترك في الإجابة على أسئلة مهمة.. ماهو تعريف الحرية؟؟ ماهي القيود المنظمة والموجهة لفضاءات الحرية.. ماهي الآليات المرجعية في قضايا الحريات؟؟ ويرى الوطني أنه ليس منوطاً به الانفراد بإجابات بمعزل عن بقية القوى السياسية..
في تقديري أن حكاية انتظار (الحوارالشامل ) ليجيب على هذه (البديهيات) هو مزيد من استهلاك وقت ثمين السودان في أمس الحاجة إليه.. لكني في المقابل أدرك أن الوطني ليس مستعداً الآن لقبول توسيع الحريات بالصورة التي يتمناها الشعب السوداني. ولذلك لا أتوقع أن يجد الإجابة على تلك الأسئلة في المستقبل المنظور ..
قناعتي في ذلك تفسيرها سهل بسيط .. هو أن هذه الاسئلة التي ينتظرها الوطني.. إجاباتها بالتحديد في كنف دستور ٢٠٠٥ الذي لايزال يحكم السودان.. المواد التي ترسم الحقوق كافية شافية.. والمواد التي تحدد المرجعيات في الفصل في كل القضايا منصوص عليها بكل وضوح.. حتى قضايا الصحافة (المستعجلة) هناك نص قانوني واضح (يجوز) للقاضي أن ينظرها (إيجازياً).. ترك القانون للقاضي أن يحدد وفق تقديره المهني إن كانت القضية التي ينظرها لا تستحق اضاعة الوقت.. وتقدير الفصل فيها (إيجازياً)
الإحساس الذي انتابني بعد الشروحات التي تفضل بها البروف.. أن حزب المؤتمر الوطني لا يرى في سماء السودان (عارض) يستوجب العجلة في البحث عن حل.. سيجتمع الوطني مع (أحزاب الحكومة الوطنية) وهي الأحزاب (المتحالفة معه في منظومة الحكم) يوم الخميس غداً.. وتستمر اللقاءات الثنائية مع بقية الأحزاب لحين عقد ملتقى جامع يضع الشكل والمضمون النهائي لمخرجات الاتفاق الشامل بين القوى السياسية.. (طبعاً مع الوضع في الاعتبار جولة المفاوضات الجديدة بين الوطني والحركة الشعبية قطاع الشمال في أديس أبابا يوم ١٣ فبراير ٢٠١٤ الجاري)..
بصراحة.. لا يزال مطلوباً من الوطني أن يثبت أنه تغير.. بالفعل لا بالقول.. وإلى أن تصدر حزمة الإصلاحات.. يبقى الحال على ماهو عليه..
أعذروني، أحاول اقتناص عطلة الجمعة لتبادل بعض الرؤى والمفاهيم والمعاني معكم.. كتبت خلال ثلاثة أسابيع عن العلاقة والمفارقة بين ثلاث.. (الفؤاد – القلب – الصدر). استسمحكم اليوم مواصلة التعمق في هذه المفاهيم لأنني لم استكمل المعنى المستهدف لتفسير علاقة الدين بالسلوك الإنساني.
لاحظ في حالة (النور).. العلاقة بين الثلاث.. المشكاة – المصباح- الزجاجة.
علاقة نسبية فيها تداخل إحتوائي.. المشكاة تحتوي الزجاجة.. والزجاجة تحتوي المصباح.
ثم في حالة (الظلام) علاقة بين ثلاث هي (بحر- موج - سحاب) في الآية (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) سورة النور (40).. نفس علاقة الاحتواء.
هذه الثلاثة ثلاثات.. ترسم فكرة واحدة.. خيط متصل يربط بين (الفؤاد، والقلب، والصدر) من جهة و(المشكاة، والمصباح، والزجاجة) من جهة .. و(البحر، والموج، والسحاب) من جهة ثالثة.
الثلاثة الأولى عن (الإنسان).. والثلاثة الثانية عن (النور).. والثلاثة الأخيرة عن (الظلام).
إذا افترضت أن كل ثلاثة هي مكون قائم بذاته Entity فكل مكون يعتمد على عامل خارجي في الفعل.. أو في الإشعال Triggering.
في المجموعة الأولى المتعلقة بالإنسان الفعل ينشأ من (الحواس).. وأهمها (السمع والبصر) فهي التي تنجب الحركة أو السكون.
في المجموعة الثانية المتعلقة بالنور (يوقد من شجرة مباركة..)
في المجموعة الثالثة المتعلقة بالظلام .. تغيب الحاجة للعامل الخارجي للفعل لأن الوصف هنا للوضع الخامل وهو الظلام أي غياب النور. (ومن لم يجعل الله له نوراً، فما له من نور).
الإنسان ينشأ في المجموعة الأخيرة.. في ظلمات ثلاثة.. ظلمة المشيمة داخل ظلمة الرحم.. داخل ظلمة البطن.. بإدراك صفري..
ثم يخلق الله له أدوات الإدارك.. (السمع والأبصار).. ثم يخرج للحياة ويبدأ رحلة البحث عن (النور).. بمعناه المعنوي.
السمع والأبصار.. تمنح الفؤاد (مجمع الحواس) الإدراك الذي يسيطر على برمجيات الإنسان (القلب) Software.. وتبدأ المعارف في التراكم وتبنى قاعدة المعلومات (الصدر) Database التي توجه سلوكه العام ومزاجه و(هواه!!).
العلاقة الإطارية الاحتوائية بين (الفؤاد والقلب والصدر) هي ذات العلاقة بين (المشكاة والزجاجة والمصباح)..
محور قضية الدين هو (السلوك!!) الإنساني.. كل المضامين التي تحتشد في أدبيات الدين القصد منها تقويم السلوك الإنساني في الوضع المنسجم مع غايات الحياة والكون..
(السلوك) الإنساني يدار في حركته وسكونه بالإدراك الذي جمعه (الفؤاد) وغذى به مخزن المعارف (الصدر) ليصنع موجهات Instructions القلب.
السلوك المستقيم في مقابل المعوج..هو نتاج ما أنعم الله به من (النور).. في ظلمات الإنسان الثلاثة.