لقاء "الحفيدين" الصادق المهدي وكريستوفر غردون باشا

أم درمان - أحمد عمر خوجلي
من يسارع إلى حضور وتغطية لقاء حفيد الإمام محمد أحمد المهدي السيد "الصادق" وحفيد غردون باشا "كريستوفر غردون" بمنزل الأول في ضاحية الملازمين في أم درمان صباح أمس (الجمعة) يتصور أن حفيد غردون باشا سيأتي محملا بأثقال الماضي وبذكرى وفاة جده بصورة مأساوية على يد أنصار الإمام المهدي في هذا الشهر قبل نحو قرن وأربعة عشر عاما، وفي حقيبته بعض آثار جده من الملابس العسكرية و"الرياش" و"البرانيط" و"الطلقات" وعدد من الرسائل التي كان يكتبها لأهله وعشيرته في بريطانيا أثناء تجواله بين المستعمرات وخوضه معارك مملكة كانت الشمس لا تغيب عن أراضيها..
لكن شيئا من هذا لم يحدث؛ فكريستوفر غردون من الجيل الرابع من حفدة غردون دخل البلاد بالجنسية الأمريكية لا البريطانية وهذا نفسه أبلغ إشارة على أن الرجل متحلل تماما من آثار وصراعات الماضي .
وقال غردون بعد لقاء مطول في عشة الضيوف الملحقة بمنزل المهدي إنه طبيب يعمل بجامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية وأعرب عن سعادته بزيارة السودان في معية وفد من جمعية الأطباء السودانيين الأمريكيين الذين يعملون في جراحة التجميل، وشكر في هذا الإطار الجمعية راعية البرنامج الطبي.
وقال كريستوفر لـ(اليوم التالي) ردا على سؤال حول وجود أي إشارات سياسية للقائه بحفيد المهدي: "السياسة التي أعرفها هي فقط العناية بصحة الأطفال" وفي رده عن سؤال: هل هناك من اشتغل بالسياسة من أبناء وأحفاد غردون باشا؟ قال: "الأجيال الأولى من آل غردون عمل عدد من أفرادها بالسياسة والجيش لكن الأحفاد المتأخرين اختاروا العمل في المهن الطبية".
السيد الصادق المهدي عرف زائره بالصحفيين وأعاد الترحيب به وبهم مشيرا إلى أن مهمة جراحة الأطفال هي إزالة تشوهاتهم بعمليات التجميل، مضيفا: رغم أن العمل إنساني لا دخل له بالسياسة لكن تربطه علاقة أسرية بالجنرال غردون باشا وقد أطلعناه على تشوهات في التاريخ الذي كُتب عن مسألة غردون باشا في السودان وأن تاريخا جديدا يحتاج السودان لتوثيقه معتمدا على الموضوعية واليقظة والاستنارة ..
لكن المهدي قال: "صحيح أن حفيد غردون لا دخل له بالسياسة لكن له نشاط متصل بالجمهور والناس يعبر عن موقف سياسي"
لقاء الأحفاد.. الإمام يستقبل ضيفه بين يدي ذكرى عالقة
الخرطوم - عزمي عبد الرازق
في ذات الوقت الذي كان فيه الإمام الصادق المهدي يستقبل ضيفه العزيز (كريستوفر) حفيد غردون باشا حاكم الخرطوم إبان الاستعمار التركي كان ثمة (راتب) لجده قائد الثورة معلق في مكان ما (بالعريشة) يقرأ منه الإمام ما تيسر له كل صباح ومساء، لم يدرك الضيف رمزية (الراتب) المتوارث جيل إثر جيل ليحفظ بطولات رجال الثورة القديمة وهو يتلفت يمنة ويسرى، بدأت الصورة أشبه بالاعتذار التاريخي عن مقتل غردون باشا على يد أنصار الجد الأكبر محمد أحمد المهدي ذات معركة خرطومية شهيرة، يهبط حفيد الجنرال هنا، بينما يمضي مصطفى سعيد بطل رواية ـ موسم الهجرة للشمال ـ إلى هناك وهو يشهر عبارته الفذة "جئتكم غازيا.. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ".. العين بالعين وهي العبارة التي لا يحبذها الإمام الصادق المهدي الرجل المتسامح مع خصومه.
رئيس حزب الأمة القومي بدا كمن يعيد حياكة التاريخ من جديد وهو يحتضن ضيفه طبيب الأطفال ويحتويه بابتسامة دافئة، ليس للرجل علاقة بالسياسة والزيارة هذه لا تتجاوز القاء التحية، بالرغم من أن هذا أول لقاء يتم بين حفيدي غردون والمهدي منذ معركة تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885م، فالحفيد الإنجليزي جاء ضمن وفد طبي أمريكي يجري عمليات جراحية ويغادر البلاد فجر يوم غدٍ (الأحد).
المدينة كدأبها كانت تنسج الاستفهامات وتستنتج الإجابات؛ لماذا اللقاء بالصادق المهدي على وجه التحديد وليس بالترابي أو الخطيب سكرتير الحزب الشيوعي؟ الصادق المهدي لم يخف غضبته على فيلم (سقوط الخرطوم) الذي تم إنتاجه في ستينيات القرن الماضي، وهو يحكي قصة آخر أيام الاستعمار التركى في البلاد وحصار الخرطوم والمعارك التي خاضها السودانيون لتحريرها، ويصوّر مقتل الحاكم العام الجنرال غردون باشا الذي عيّنه خديوي مصر، الفيلم يحتوى على تجسيد رائع للعديد من المعارك والمواجهات كما يقدم صورا جميلة للخرطوم القديمة، ولكنه يصور الوقائع من وجهة نظر بريطانية محضة، جسد دور البطولة الممثل شارلتون هستون (غردون)، ولورانس أوليفيه (المهدي). وأخرج الفيلم باسل دياردن، في الفيلم الأنصار مجرد (همجيين) يمارسون القتل بسادية.
بيان الصادق المهدي الذي أصدره عقب اللقاء تركز معظمه حول الفيلم آنف الذكر، ووصفه بأنه فيلم هوليودي زعم أن الإمام المهدي كان يريد فتح الخرطوم عنوة حتى تسيل الدماء غزيرة لتهديد مصر بالفتح المقبل، ومضى الإمام إلى أن هذا تأسيس على تاريخ مزيف أمر ونجت باشا بكتابته لشيطنة الثورة المهدية، مؤكداً في ذات الوقت أن تعليمات المهدي أن لا يقتل غردون والدليل أنه في كل خطاباته كان يكرر ولاءه السياسي لبريطانيا ومصر، كما أنه عرض على غرودن المغادرة دون شروط أو فدية، واعتبر المهدي أن التفسير الذي حدث من قتل غردون هو الفوضى والخراب الذي يصحب المواجهات المسلحة كالعادة، وخلص إلى ضرورة قراءة مبصرة للتاريخ تقوم على العقلانية والموضوعية.
ليس ثمة شك في أن الإمام الصادق هو نسخة مغايرة عن جده المهدي، فهو على الأقل درس في جامعة الخرطوم والتي كانت تسمى (بكلية غردون التذكارية) وهاجر إلى أوكسفورد ليكمل تعليمه ويتشبع بالثقافة والفلسفة الغربية على أمل أن يدرس الزراعة بعيد ذلك في كاليفورنيا، الصادق المهدي بالرغم من تشبعه بالثقافة الأوروبية إلا أنه ظل على الدوام يحافظ على التقاليد الأنصارية في صلاة الجمعة بود نوباوي، وصلاة العيد بالجزيرة أبا التي تصحبها طقوس عتيقة، فضلاً على ذلك يتسم الإمام بروح المهدية القديمة يرتدي ذات الجبة المقلوبة، ويعيد إنتاج سيناريوهات قديمة من خلال زفة المولد والحراسة بالحراب ذات (الشرش)، لكنه في نفس الوقت يتعامل مع تلك الصور بمفهوم فلكلوري بحت.
في السادس والعشرين من يناير للعام قبل الفائت وهي تماثل ذكرى تحرير الخرطوم أعلن فيها الإمام قراراً مصيرياً أما أن يسقط النظام أو يعتزل السياسة، لم تغب رمزية اليوم عن خاطر الكثيرين، وفي العام السابق جمع كل الأنصار في مختلف بقاع السودان ليلقي خطاباً جماهيرياً تهيأت له المدينة بقضها وقضيضها والكاميرات، لكن خطابه جاء باردا على غير العادة، تمضي كل هذه المشاهد لتعزز من مقاربة بين الإمام الصادق المهدي وجده الأكبر قائد الثورة، تتمدد وتتقلص حسب التطورات الماثلة، ولكنها تشتعل بمعان كثيفة من وراء لقاء الأمس ذي الأبعاد التاريخية.
[/justify]
