كتاب اعجبني
المشرف: بانه
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
11 - إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام
- 12 - إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان
- 13 - ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب
- 14 - ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار
يذكرهم اللّه تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أماناً، أمنّهم به من خوفهم الذي حصل لهم، من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أُحد، كما قال تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} الآية. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أُحد، ولقد سقط السيف من يدي مراراً؛ يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحَجَف (الحجف: جمع حجفة وهي الترس)، وقال الحافظ أبو يعلى عن علي رضي اللّه عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح، وقال عبد اللّه بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من اللّه، وفي الصلاة من الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب، وكأن ذلك كان للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر اللّه، وهذا من فضل اللّه ورحمته بهم ونعمته عليهم، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي اللّه عنه وهما يدعوان أخذت رسول اللّه سنة من النوم ثم استيقظ متبسماً فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع"، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}.
- 12 - إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان
- 13 - ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب
- 14 - ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار
يذكرهم اللّه تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أماناً، أمنّهم به من خوفهم الذي حصل لهم، من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أُحد، كما قال تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} الآية. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أُحد، ولقد سقط السيف من يدي مراراً؛ يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحَجَف (الحجف: جمع حجفة وهي الترس)، وقال الحافظ أبو يعلى عن علي رضي اللّه عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح، وقال عبد اللّه بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من اللّه، وفي الصلاة من الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب، وكأن ذلك كان للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر اللّه، وهذا من فضل اللّه ورحمته بهم ونعمته عليهم، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي اللّه عنه وهما يدعوان أخذت رسول اللّه سنة من النوم ثم استيقظ متبسماً فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع"، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء}، قال ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل اللّه من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل اللّه في ذلك طهوراً وثبت به الأقدام (وروي نحوه عن قتادة والضحاك)، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث اللّه المطر عليها، والمعروف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول اللّه هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك اللّه إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة" فقال: يا رسول اللّه إن هذا ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففعل ذلك.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال مجاهد: أنزل اللّه عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبت به أقدامهم، وقوله: {ليطهركم به} أي من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر،
{ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة {عاليهم ثياب سندس خضر} فهذا زينة الظاهر، {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} أي مطهراً لما كان من غل أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته، {وليربط على قلوبكم}: أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن {ويثبت به الأقدام} وهو شجاعة الظاهر واللّه أعلم.
{ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة {عاليهم ثياب سندس خضر} فهذا زينة الظاهر، {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} أي مطهراً لما كان من غل أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته، {وليربط على قلوبكم}: أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن {ويثبت به الأقدام} وهو شجاعة الظاهر واللّه أعلم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقوله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} وهذه نعمة خفية أظهرها اللّه تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدس أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه أن يثبتوا الذين آمنوا، قال ابن جرير: أي ثبتوا المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم سألقي الرعب والذلة والصغار على من خالف أمري وكذب رسولي، {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} أي اضربوا الهام فافلقوها واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم، وقد اختلف المفسرون في معنى {فوق الأعناق} فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة. وقيل معناه أي على الأعناق وهي الرقاب، قاله الضحاك. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} وقال القاسم، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إني لم أبعث لأعذب بعذاب اللّه، إنما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق"، وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به، وقوله: {واضربوا منهم كل بنان}، وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر:
ألا ليتني قطعت مني بنانة * ولاقيته في البيت يقظان حاذراً
ألا ليتني قطعت مني بنانة * ولاقيته في البيت يقظان حاذراً
رد: كتاب اعجبني
اعجبني كتاب اكتساب الاخلاق
جزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال ابن عباس {واضربوا منهم كل بنان} يعني بالبنان الأطراف (وكذا قال الضحاك وابن جرير والسدي)، وقال السدي: البنان الأطراف، ويقال كل مفصل، وقال الأوزاعي: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك، وقال العوفي عن ابن عباس فأوحى اللّه إلى الملائكة: {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} الآية، فقتل أبو جهل لعنه اللّه في تسعة وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط، فقتل صبراً فرفى ذلك سبعين يعني قتيلاً، لهذا قال تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا اللّه ورسوله} أي خالفوهما، فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضاً من شق العصا وهو جعلها فرقتين {ومن يشاقق اللّه ورسوله فإن اللّه شديد العقاب} أي هو الطالب الغالب لمن خالفه ونأوأه لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء تبارك وتعالى لا إله غيره ولا رب سواه، {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب بالنار} هذا خطاب للكفار، أي ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا واعلموا أيضاً أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
15 - يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار
- 16 - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم {فلا تولوهم الأدبار} أي تفرقوا وتتركوا أصحابكم، {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فلا بأس عليه في ذلك (وهو قول سعيد بن جبير والسدي). وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها، {أو متحيزا إلى فئة} أي فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سريه ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "مَنْ القوم؟" فقلنا: نحن الفرارون، فقال: "لا، بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده. وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: {أو متحيزا إلى فئة} (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه). وقال أهل العلم: معنى قوله "العكارون": أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في أبي عبيدة لما قُتل بأرض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر: لو تحيز إليَّ لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله {أو متحيزا إلى فئة}: المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل يا رسول اللّه وما هن؟ قال: "الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (أخرجه الشيخان عن أبي هريرة). ولهذا قال تعالى: {فقد باء} أي رجع {بغضب من اللّه ومأواه} أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده {جهنم وبئس المصير}.
وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل اللّه؛ فقلت يا رسول اللّه أما اثنتان فواللّه لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضبٍ من اللّه، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فواللّه مالي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولهم، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذاً"؟ قلت: يا رسول اللّه أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن (أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير: حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجوه في الكتب الستة). وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراماً على الصحابة، لأن الجهاد كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة (يروى هذا عن عمرو ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم). وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، ولهذا قال الحسن في قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب: أوجب اللّه تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله}، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، إلى قوله {ولقد عفا اللّه عنهم}، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: {ثم وليتم مدبرين * ثم يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء}. وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: {ومن يولهم يومئذ دبره} إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، واللّه أعلم.
- 16 - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم {فلا تولوهم الأدبار} أي تفرقوا وتتركوا أصحابكم، {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فلا بأس عليه في ذلك (وهو قول سعيد بن جبير والسدي). وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها، {أو متحيزا إلى فئة} أي فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سريه ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "مَنْ القوم؟" فقلنا: نحن الفرارون، فقال: "لا، بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده. وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: {أو متحيزا إلى فئة} (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه). وقال أهل العلم: معنى قوله "العكارون": أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في أبي عبيدة لما قُتل بأرض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر: لو تحيز إليَّ لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله {أو متحيزا إلى فئة}: المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل يا رسول اللّه وما هن؟ قال: "الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (أخرجه الشيخان عن أبي هريرة). ولهذا قال تعالى: {فقد باء} أي رجع {بغضب من اللّه ومأواه} أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده {جهنم وبئس المصير}.
وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل اللّه؛ فقلت يا رسول اللّه أما اثنتان فواللّه لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضبٍ من اللّه، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فواللّه مالي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولهم، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذاً"؟ قلت: يا رسول اللّه أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن (أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير: حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجوه في الكتب الستة). وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراماً على الصحابة، لأن الجهاد كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة (يروى هذا عن عمرو ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم). وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، ولهذا قال الحسن في قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب: أوجب اللّه تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله}، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، إلى قوله {ولقد عفا اللّه عنهم}، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: {ثم وليتم مدبرين * ثم يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء}. وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: {ومن يولهم يومئذ دبره} إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، واللّه أعلم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
17 - فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم
- 18 - ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه، ولهذا قال: {فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم} أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعدائكم، مع كثرة عددهم وقله عددكم، بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال: {ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة} الآية، وقال تعالى: {لقد نصركم اللّه في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس بكثرة العَدَد والعُدَد، وإنما النصر من عنده تعالى، كما قال تعالى: {كم فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه والله مع الصابرين}، ثم قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أيضاً في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر {وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى} أي هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت، قال ابن عباس: رفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال: "يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فإخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه"، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه: {وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى}. وقال عروة بن الزبير في قوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته، {إن اللّه سميع عليم} أي سميع الدعاء {عليم} بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: {ذلكم وأن اللّه موهن كيد الكافرين} هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين، فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار.
- 18 - ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه، ولهذا قال: {فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم} أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعدائكم، مع كثرة عددهم وقله عددكم، بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال: {ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة} الآية، وقال تعالى: {لقد نصركم اللّه في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس بكثرة العَدَد والعُدَد، وإنما النصر من عنده تعالى، كما قال تعالى: {كم فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه والله مع الصابرين}، ثم قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أيضاً في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر {وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى} أي هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت، قال ابن عباس: رفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال: "يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فإخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه"، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه: {وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى}. وقال عروة بن الزبير في قوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته، {إن اللّه سميع عليم} أي سميع الدعاء {عليم} بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: {ذلكم وأن اللّه موهن كيد الكافرين} هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين، فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
19 - إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين
يقول تعالى للكفار: {إن تستفتحوا} أي تستنصروا وتستقصوا اللّه وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح (رواه أحمد والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ؛ وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا اللّه وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال اللّه: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم. وقوله: {وإن تنتهوا} أي عما أنتم فيه من الكفر باللّه والتكذيب لرسوله {فهو خير لكم} أي في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: {وإن تعودوا نعد}، كقوله: {وإن عدتم عدنا}، معناه وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة، وقال السدي: {وإن تعودوا} أي إلى الاستفتاح {نعد} أي إلى الفتح لمحمد صلى اللّه عليه وسلم والنصر له وتظفيره على أعدائهن والأول أقوى. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} أي ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان اللّه معه فلا غالب له، {وأن اللّه مع المؤمنين} وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.
يقول تعالى للكفار: {إن تستفتحوا} أي تستنصروا وتستقصوا اللّه وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح (رواه أحمد والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ؛ وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا اللّه وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال اللّه: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم. وقوله: {وإن تنتهوا} أي عما أنتم فيه من الكفر باللّه والتكذيب لرسوله {فهو خير لكم} أي في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: {وإن تعودوا نعد}، كقوله: {وإن عدتم عدنا}، معناه وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه الواقعة، وقال السدي: {وإن تعودوا} أي إلى الاستفتاح {نعد} أي إلى الفتح لمحمد صلى اللّه عليه وسلم والنصر له وتظفيره على أعدائهن والأول أقوى. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} أي ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان اللّه معه فلا غالب له، {وأن اللّه مع المؤمنين} وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
20 - يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون
- 21 - ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون
- 22 - إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
- 23 - ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون
يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: {ولا تولوا عنه} أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، {وأنتم تسمعون} أي بعدما علمتم ما دعاكم إليه، {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون، واختاره ابن جرير، وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة فقال: {إن شر الدواب عند اللّه الصم} أي عن سماع الحق، {البكم} عن فهمه، ولهذا قال: {الذين لا يعقلون} فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة للّه فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش؛ ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح - ولو فرض أن لهم فهماً - فقال: {ولو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم} أي لأفهمهم وتقدير الكلام (و) لكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه {لو أسمعهم} أي أفهمهم {لتولوا} عن ذلك قصداً وعناداً بعد فهمهم ذلك {وهم معرضون} عنه.
- 21 - ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون
- 22 - إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
- 23 - ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون
يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: {ولا تولوا عنه} أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، {وأنتم تسمعون} أي بعدما علمتم ما دعاكم إليه، {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون، واختاره ابن جرير، وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة فقال: {إن شر الدواب عند اللّه الصم} أي عن سماع الحق، {البكم} عن فهمه، ولهذا قال: {الذين لا يعقلون} فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة للّه فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش؛ ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح - ولو فرض أن لهم فهماً - فقال: {ولو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم} أي لأفهمهم وتقدير الكلام (و) لكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه {لو أسمعهم} أي أفهمهم {لتولوا} عن ذلك قصداً وعناداً بعد فهمهم ذلك {وهم معرضون} عنه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
24 - يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون
قال البخاري: {استجيبوا} أجيبوا {لما يحييكم} لما يصلحكم، عن أبي سعيد بن المعلى رضي اللّه عنه قال: كنت أصلي فمر بي النبي صلى اللّه عليه وسلم فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل اللّه: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"، فذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليخرج فذكرت له. فقال: {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني.
وقال مجاهد {لما يحييكم} قال: للحق، وقال قتادة {لما يحييكم} هذا هو القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة؛ وقال السدي: {لما يحييكم} ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر، وقوله تعالى: {واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه}، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان (وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وعطية ومقاتل وفي رواية عن مجاهد (يحول بين المرء وقلبه) أي حتى يتركه لا يعقل) ؛ وقال السدي: لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه، وقد وردت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما يناسب هذه الآية؛ قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قال: فقلنا يا رسول اللّه آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال" :نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه تعالى يقلبها".
قال البخاري: {استجيبوا} أجيبوا {لما يحييكم} لما يصلحكم، عن أبي سعيد بن المعلى رضي اللّه عنه قال: كنت أصلي فمر بي النبي صلى اللّه عليه وسلم فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل اللّه: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"، فذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليخرج فذكرت له. فقال: {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني.
وقال مجاهد {لما يحييكم} قال: للحق، وقال قتادة {لما يحييكم} هذا هو القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة؛ وقال السدي: {لما يحييكم} ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر، وقوله تعالى: {واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه}، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان (وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وعطية ومقاتل وفي رواية عن مجاهد (يحول بين المرء وقلبه) أي حتى يتركه لا يعقل) ؛ وقال السدي: لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه، وقد وردت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما يناسب هذه الآية؛ قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قال: فقلنا يا رسول اللّه آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال" :نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه تعالى يقلبها".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
(حديث آخر) : قال الإمام أحمد عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، وكان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قال: "والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه". (ورواه النسائي وابن ماجه). (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أم سلمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت، فقلت: يا رسول اللّه إن القول لتقلب؟ قال: "نعم ما خلق اللّه من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع اللّه عزَّ وجلَّ، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسال اللّه ربنا أن لا يزيع قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب" قالت، فقلت: يا رسول اللّه ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
25 - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب
يحذر تعالى عباده المؤمنين {فتنة} أي اختباراً ومحنة يعم بها المسيء وغيرهن لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر بالذنب، بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع،
كما قال الإمام أحمد عن مطرف، قال: قلنا للزبير يا أبا عبد اللّه ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ضي اللّه عنه: إنا قرأنا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (رواه أحمد والبزار).
وروى ابن جرير عن الحسن قال، قال الزبير: لقد خوفنا - يعني قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ونحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة؛ وقال الحسن في هذه الآية: نزلت في (علي، وعمار، وطلحة، والزبير) رضي اللّه عنهم، وقال الزبير: لقد قرأت هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وقال ابن عباس: {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يعني أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة، وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر اللّه المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم اللّه بالعذاب، وهذا تفسير حسن جداً، ولهذا قال مجاهد: هي أيضاً لكم، والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم،
وإن الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إن اللّه عزَّ وجلَّ لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه الخاصة والعامة" (رواه أحمد، قال ابن كثير: لم يخرجه في الكتب الستة أحد وفيه رجل متهم).
يحذر تعالى عباده المؤمنين {فتنة} أي اختباراً ومحنة يعم بها المسيء وغيرهن لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر بالذنب، بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع،
كما قال الإمام أحمد عن مطرف، قال: قلنا للزبير يا أبا عبد اللّه ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ضي اللّه عنه: إنا قرأنا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (رواه أحمد والبزار).
وروى ابن جرير عن الحسن قال، قال الزبير: لقد خوفنا - يعني قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ونحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة؛ وقال الحسن في هذه الآية: نزلت في (علي، وعمار، وطلحة، والزبير) رضي اللّه عنهم، وقال الزبير: لقد قرأت هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وقال ابن عباس: {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يعني أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة، وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر اللّه المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم اللّه بالعذاب، وهذا تفسير حسن جداً، ولهذا قال مجاهد: هي أيضاً لكم، والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم،
وإن الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إن اللّه عزَّ وجلَّ لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه الخاصة والعامة" (رواه أحمد، قال ابن كثير: لم يخرجه في الكتب الستة أحد وفيه رجل متهم).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
(حديث آخر): قال الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم"، وقال حذيفة رضي اللّه عنه: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيصير منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتحاضُنَّ على الخير، أو ليسحتكم اللّه جميعاً بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. (حديث آخر): قال الأمام أحمد أيضاً عن عامر رضي اللّه عنه قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول - وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه - يقول: مثل القائم على حدود اللّه والواقع فيها والمدهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً. (أخرجه البخاري والترمذي أيضاً). (حديث آخر): عن أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم اللّه بعذاب من عنده" فقلت؟ يا رسول اللّه أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى" قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من اللّه ورضوان" (رواه الإمام أحمد). وفي رواية: "ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم ولا أمنع لا يغيّره،
إلا عمهم اللّه بعقاب أو أصابهم العقاب". وفي أخرى عن عائشة ترفعه: "إذا ظهر السوء في الأرض أنزل اللّه بأهل الأرض بأسه" فقلت: وفيهم أهل طاعة اللّه؟ قال: "نعم ثم يصيرون إلى رحمة اللّه" (أخرجهما الإمام أحمد).
إلا عمهم اللّه بعقاب أو أصابهم العقاب". وفي أخرى عن عائشة ترفعه: "إذا ظهر السوء في الأرض أنزل اللّه بأهل الأرض بأسه" فقلت: وفيهم أهل طاعة اللّه؟ قال: "نعم ثم يصيرون إلى رحمة اللّه" (أخرجهما الإمام أحمد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
26 - واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون
ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد اللّه، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن اللّه لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيّض لهم أهلها آوو ونصروا وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة اللّه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم، قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالاً، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، واللّه ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلاً منهم، حتى جاء اللّه بالإسلام فمكّن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى اللّه ما رأيتم، فاشكروا اللّه على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من اللّه.
ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد اللّه، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن اللّه لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيّض لهم أهلها آوو ونصروا وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة اللّه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم، قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالاً، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، واللّه ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلاً منهم، حتى جاء اللّه بالإسلام فمكّن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى اللّه ما رأيتم، فاشكروا اللّه على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من اللّه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
27 - يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون
- 28 - واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم
أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان اللّه ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقاً حتى يموت أو يتوب اللّه عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشياً عليه من الجهد، حتى أنزل اللّه توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة اللّه عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده فحله، فقال: يا رسول اللّه إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: "يجزيك الثلث أن تصدق به" (رواه عبد الرزاق بن أبي قتادة). وقال ابن جرير: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي اللّه عنه {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللّه والرسول} الآية. وفي الصحيحين قصة (حاطب بن أبي بلتعة) أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياهم عام الفتح، فاطلع اللّه رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطباً فأقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللّه، ألا أضرب عنقه فإنه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين؟ فقال: "دعه فإنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبيل خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقال ابن عباس {وتخونوا أماناتكم}: الأمانة الأعمال التي ائتمن اللّه عليها العباد يعني الفريضة، يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا اللّه والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته.
- 28 - واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم
أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان اللّه ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقاً حتى يموت أو يتوب اللّه عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشياً عليه من الجهد، حتى أنزل اللّه توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة اللّه عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده فحله، فقال: يا رسول اللّه إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: "يجزيك الثلث أن تصدق به" (رواه عبد الرزاق بن أبي قتادة). وقال ابن جرير: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي اللّه عنه {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللّه والرسول} الآية. وفي الصحيحين قصة (حاطب بن أبي بلتعة) أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياهم عام الفتح، فاطلع اللّه رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطباً فأقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللّه، ألا أضرب عنقه فإنه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين؟ فقال: "دعه فإنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبيل خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقال ابن عباس {وتخونوا أماناتكم}: الأمانة الأعمال التي ائتمن اللّه عليها العباد يعني الفريضة، يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا اللّه والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال السدي: إذا خانوا اللّه والرسول فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضاً: كانوا يسمعون من النبي صلى اللّه عليه وسلم الحديث فيشفونه حتى يبلغ المشركين، وقال ابن زيد: نهاكم أن تخونوا اللّه والرسول كما صنع المنافقون، وقوله: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها او تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم}، وقال: و{نبلوكم بالشر والخير فتنة}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}، وقوله: {وأن اللّه عنده أجر عظيم} أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئاً، واللّه سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة، وفي الأثر يقول اللّه تعالى: يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتَّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه" (أخرجه الشيخان)، بل حب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس كما ثبت في الصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيدة لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
29 - يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم
قال ابن عباس وغير واحد {فرقانا} مخرجاً (وهو قول السدي وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل وغيرهم ويشهد له قول اللّه تعالى: {ومن يتق اللّه بجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب})، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، في رواية عن ابن عباس {فرقانا} نجاة،وفي رواية عنه: نصراء. وقال محمد بن إسحاق: {فرقاناً} أي فصلاً بين الحق والباطل؛ وهذا التفسير أعم مما تقدم، وهو يسلتزم ذلك كله، فإن من اتقى اللّه بفعل أوامره وترك زواجره، وفّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها: سترها عن الناس، وسبباً لنيل ثواب اللّه الجزيل كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم}.
30 - وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
قال ابن عباس وغير واحد {فرقانا} مخرجاً (وهو قول السدي وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل وغيرهم ويشهد له قول اللّه تعالى: {ومن يتق اللّه بجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب})، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، في رواية عن ابن عباس {فرقانا} نجاة،وفي رواية عنه: نصراء. وقال محمد بن إسحاق: {فرقاناً} أي فصلاً بين الحق والباطل؛ وهذا التفسير أعم مما تقدم، وهو يسلتزم ذلك كله، فإن من اتقى اللّه بفعل أوامره وترك زواجره، وفّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها: سترها عن الناس، وسبباً لنيل ثواب اللّه الجزيل كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم}.
30 - وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {ليثبتوك} ليقيدوك؛ وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء، وقال عطاء: سمعت (عبيد بن عمير) يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن بسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني"، قال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي" قال: نعم الرب ربك استوص به خيراً، قال: "أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي"، قال فنزلت: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (قال ابن كثير: ذكر أبي طالب في هذا غريب جداً بل منكر، لأن الآية مدنية واجتماع قريش وائتمارهم كان ليلة الهجرة وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو ثلاث سنين) الآية. والدليل على صحة ما قلنا، ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن مجاهد عن ابن عباس: أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له من أنت؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأيي ونصحي قالوا: أجل ادخل فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، واللّه ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة، قال: فصرخ عدو اللّه فقال: واللّه ما هذا برأي، واللّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم،
قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا، قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع إذا غاب عنكم أذاه؛ فقال الشيخ النجدي: واللّه ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ واللّه لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا صدق واللّه، فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل لعنه اللّه: واللّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل (الدية) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللّه الرأي، القول ما قال الفتى، ولا أرى غيره؛ قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن اللّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اللّه والله خير الماكرين}، وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون}.
قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا، قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع إذا غاب عنكم أذاه؛ فقال الشيخ النجدي: واللّه ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ واللّه لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا صدق واللّه، فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل لعنه اللّه: واللّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل (الدية) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللّه الرأي، القول ما قال الفتى، ولا أرى غيره؛ قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن اللّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اللّه والله خير الماكرين}، وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
قال ابن إسحاق: أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (علي بن أبي طالب) فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذروها على رؤوسهم، وأخذ اللّه بأبصارهم عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ: {يسن والقرآن الحكيم - إلى قوله - فأغشيناهم فهم لا يبصرون}. وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: دخلت فاطمة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي تبكي،
قال: "ما يبكيك يا بنية؟" قالت: يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحِجْر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: "يا بنية ائتني بوضوء"، فتوضأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، فطأطأوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه"، فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً (قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا أعرف له علة).
وعن ابن عباس في قوله: {وإذ يمكر بك} الآية. قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل اخرجوه، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي اللّه عنه على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً رد اللّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعودا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (رواه الإمام أحمد في المسند). وقال عروة بن الزبير في قوله: {ويمكرون ويمكر الله} أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
قال: "ما يبكيك يا بنية؟" قالت: يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحِجْر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: "يا بنية ائتني بوضوء"، فتوضأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، فطأطأوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه"، فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً (قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا أعرف له علة).
وعن ابن عباس في قوله: {وإذ يمكر بك} الآية. قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل اخرجوه، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي اللّه عنه على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً رد اللّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعودا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال (رواه الإمام أحمد في المسند). وقال عروة بن الزبير في قوله: {ويمكرون ويمكر الله} أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
