الطـبّ النـــبوي

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
الوقاية وحفظ الصحة عند العرب


عرفَ العلماءُ العرب والمسلمون أنَّ العنايةَ الصحِّية للإنسان تشمل العنايةَ بالإنسان السَّليم والعنايةَ بالإنسان المريض، وأطلقوا على الأولى حِفظَ الصِّحَّة، وعلى الثَّانية إعادةَ الصحَّة، وقدَّموا حفظَ الصحَّة على إعادتها، فقالوا: إنَّ حفظَ صحَّة الشيء الموجود أجلُّ من طلب الشيء المفقود.

وقد شملت العمليَّاتُ الوقائية Preventive medicine عندَ الأطبَّاء العرب، كما حدَّدها ابنُ سينا، معالجةَ الأسباب من المآكل والمشارب والأهوية والمياه والبلدان والمساكِن والاستفراغ والاحتقان والصناعات والعادات والحركات البدنيَّة والنفسيَّة والسُّكونات والأسنان والأجناس والواردات على البدن من الأمور الغريبة.

ويمكننا أن نُصنِّفَ تدابيرَ حِفظ الصحَّة التي وردت عند الأطباء العرب والمسلمين كما يلي:

أوَّلاً ـ تَدابير إصلاح البيئَة: وتشتمل على إصلاح المياه، وإصلاح الهواء، وإصلاح المساكن، ومكافحة الهوامِّ والحشرات.

ثانياً ـ التَّدابير الخاصَّة بعادات الإنسان من المأكل والمشرب والنَّوم والرياضة والاستحمام والجِماع.

ثالثاً ـ التَّدابير الخاصَّة بالأعمار المختلفة من الولادة وحتَّى الشَّيخوخة.

رابعاً ـ التَّدابير الخاصَّة بالفصول.

خامساً ـ التَّدابير الخاصَّة بمكافحة الأمراض الوبائية.

سادساً ـ التَّدابير الخاصَّة بحفظ صِحَّة الأعضاء: كالعين والأذن والأسنان ... إلخ.

ونذكر باختصار بعضَ الأمثلة على هذه التَّدابير الوقائيَّة التي وردت في السنَّة النبويَّة وعندَ أعلام الطبِّ العربِي؛ حيث أنَّ المرءَ ليقف مَبهورًا أمامَ عظمة التَّوجيه النَّبوي الذي يَحدُّ من انتشار الأمراض في المجتمع، إذا يقول صلَّى الله عليه وسلَّم فيما رواه البُخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: {لا يُورِدنَّ مُمرِضٌ على مُصِحٍّ} (رَقم الحديث 5437 في البُخاري). كما يَقولُ في أمر مرض الجُذام الخطير مثلاً، مثلما جاء في البُخاري ومُسنَد الإمام أحمد عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه: {فِرَّ من المَجذوم فِرارَك من الأَسَد} (رقم الحَديث 9429 في مُسنَد الإمام أحمد، واللفظُ لأحمد)، ثمَّ يضع أعظمَ قواعِد الحَجر الصحِّي بالنسبة للأوبئة الخَطيرة كالطَّاعون، وذلك كما روى مُسلِم عن أُسامة بن زيد رضيَ الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتحدَّث عن الطَّاعون فقال: {إذا كانَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا منها، وإذا بلغكم أنَّه بأرضٍ فلا تَدخلوها} (رقم الحديث 2218 في صَحيح مُسلِم)، فهو بذلك يوضح لنا أبسطَ وسائل الوقايَة من الأمراض وأنجحها في ذات الوقت.

وقد صنَّفَ البَلخيُّ ـ الذي يُعدُّ أوَّلَ من تَكلَّم عن حِفظ الصحَّة في عصر التَّأليف الطبِّي ـ كتاباً خاصاً في حفظ الصحَّة سَمَّاه "مصالحَ الأبدان والأنفس"، قسَّمه إلى مقالتين: مصالح الأبدان، ومصالح الأنفس. وابتدأ بابَ الاستحمام - الذي تكلَّم عنه في المقالة الأولى - بذكر فوائد الحمَّام، فقال: "والحمَّامُ قد جمعَ إلى مرافقِ الماءِ الحارِّ مرافقَ الهواءِ الحارِّ الذي يفتحُ مسامَّ الجسدِ، ويُجري معها بالعَرَقِ الرُّطوبةَ الفجَّةَ المتولِّدةَ عن فضولِ الطعامِ والشرابِ، ويحتاجُ إلى معونةٍ مِن خارجٍ ليجتذبَها وينقِّيَها عَن البَدَنِ، لئلاَّ يبقى فيه فيؤدِّي إلى ضربٍ مِن ضُروبِ العللِ. والحمَّامُ مِن أعونِ الأشياءِ على إخراجِ تلك الفضولِ، ولذلك يجدُ الإنسانُ الخفَّةَ في بدنِهِ عندَ خروجِهِ منه لانفشاشِها عن جسدِهِ بالأبخرةِ والعَرَقِ اللَّذينِ يخرجانِ مِن مسامِّهِ؛ فالحمَّامُ - كما قلنا - يجمعُ إلى مَنفعةِ الماءِ الحارِّ منفعةَ الهواءِ الحارِّ الذي يَفتحُ مسامَّ البدنِ ويُحلِّلُ فضولَه، وبهذينِ المرفقينِ يكونُ تَمامُ نقاءِ البدنِ مِن داخلٍ. وهو يَجمعُ إلى نقاءِ البدنِ مِن داخلٍ نقاءَهُ مِن خارجٍ، وتنظيفَهُ منَ الأدرانِ التي تجتمعُ، والأوساخِ التي تتركَّبُ عليهِ، فتخلُصُ إليه لذَّةٌ نفسانيَّةٌ ..." (البلخيُّ ـ مَصالِحُ الأبدان والأنفُس).

وقد حدَّد الرَّازي في تدبير المطعم الوقتَ المناسب للطعام فقال: "ينبغي أن يطعمَ الإنسانُ إذا نزل ثقلُ الطعام المتقدِّم، وخفَّت الناحيةُ السفلى من البطن ولم يبقَ فيها تمدُّد ... وثارت الشَّهوة؛ وينبغي ألاَّ يدافع بالأكل إذا هاجت الشهوة، إلاَّ أن تكونَ شهوةً كاذبة كالتي تَهيج بالسُّكارى والمُتَخمين" (الرَّازي ـ المَنصوري).

ثمَّ أضافَ قائلاً: "وممَّا يَسوء به الهضمُ ويفسد أن تُؤكَلَ أغذيةٌ مختلفة في وقتٍ واحد، وأن يُقدَّم الغذاءُ الأغلظ قبلَ الأرقِّ الألطف، أو أن يُكثِر الألوان ويَطول الأكلُ جِداً حتَّى يَسبقَ أوَّلُه آخرَه بوقتٍ طويل" (الرَّازي ـ المَنصوري).

ويتكلَّم ابنُ سينا عن الأثر المفيد للرياضة فيقول: "الرياضةُ هي حركةٌ إرادية، تضطرُّ إلى التنفُّس العظيم المتواتر، والموفَّقُ لاستعمالها على جهةِ اعتدالها في وقتِها به غَناءٌ عن كلِّ عِلاج تقتضيه الأمراضُ المادِّية والأمراضُ المزاجية التي تَتبعها وتحدث عنها ..." (ابنُ سينا ـ القَانون).

ويُضيف مُفصِّلاً فوائدَ الرياضة: "ثمَّ الرياضةُ أمنعُ سببٍ لاجتماع مبادئ الامتلاء ـ إذا أصبتَ في سائر التَّدبير معها ـ مع إنعاشها الحرارةَ الغريزيَّة وتعويدها البدنَ الخفَّة، وذلك لأنَّها تثير حرارةً لطيفة، فتحلِّل ما اجتمعَ من فضل كلَّ يوم، وتكون الحركةُ مُعينةً في إزلاقها وتوجيهها إلى مَخارِجها، فلا يجتمع على مرور الأيَّام فضلٌ يُعتدُّ به. ومع ذلك، فإنَّها تُنمِّي الحرارةَ الغريزية وتُصلِّب المفاصلَ والأوتار، فيقوى على الأفعال فيأمَن الانفعال، وتعتدُّ الأعضاءُ لقبول الغذاء بما يُنقِص منها من الفضل فتلين الأعضاءُ وترقُّ الرُّطوبات وتتَّسع المسام ..." (ابنُ سينا ـ القَانون).

أمَّا ابنُ رضوان فيتكلَّم عن أسباب الوباء قائلاً: "ومعنى المرض الوافِد أن يعمَّ خلقاً كثيراً في بلدٍ واحد وزمان واحد. ومنه نوعٌ يُقال له المُؤتان، وهو الذي يكثر معه الموتُ. وحدوثُ الأمراض الوافدة يكون عن أسبابٍ كثيرة تُجمَع في الجملة في أربعة: تغيُّر كيفيَّة الهواء وكيفيَّة الماء وكيفيَّة الأغذية وكيفيَّة الأحداث النَّفسية" (ابنُ رَضوان ـ رسالةٌ في الحيلَة في دفع مضارِّ الأبدان بأرض مصر).

ثمَّ يُفصِّل في هذه الأسباب فيقول مثلاً عن الهواء: "وإمَّا أن يكونَ تغيُّرها تَغيُّراً خارجاً عن العادة، فيحدث المرض الوافد. وخروجُ تَغيُّر الهواء عن عادته يكون إمَّا أن يسخنَ أكثرَ أو يبرد أو يرطب أو يجفِّف أو يخالطه حالةٌ عفنيَّة، والحالةُ العفنيَّة إمَّا أن تكونَ قريبةً أو بعيدة ... وقد يتغيَّر أيضاً مزاجُ الهواء عن العادة بأن يصلَ وفدٌ كثير قد أنهك أبدانَهم السَّفرُ وساءت أخلاطُهم، فتخالط الهواءَ منها شيءٌ كثير ويقع الوباءُ في الناس ويَظهَر المرضُ الوافد" (ابنُ رَضوان ـ رسالةٌ في الحيلَة في دفع مضارِّ الأبدان بأرض مصر).

ثم يُخصِّص فصلاً يتكلَّم فيه عن إصلاح رداءة الهواء والماء والغذاء بأرض مصر.

وأخيراً، فإنَّ المكانةَ البارزة التي أعطاها الأطبَّاءُ العرب والمسلمون لشؤونِ الوقاية وحِفظ الصحَّة لتدعو إلى الفَخر من جهةٍ وإلى الدَّهشة من جهةٍ أخرى، لاسيَّما في عصرٍ لا تزال ترتفع فيه الأصواتُ التي تنادي بحماية صحَّة الإنسان ووقايتها من الأخطار البيئيَّة والآفات الجسميَّة والنَّفسية والأخلاقية التي نتجت عن تَسارُع التطوُّر الحَضاري.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
تفسير أسباب الأمراض عند قدامى الأطباء العرب والمسلمين


ردَّ القدماءُ، ومنهم الأطبَّاءُ العرب والمسلمين، أسبابَ الأمراض إلى فساد أخلاط الجسم، بالنقص أو بالزيادة ، أو بفساد طَبيعتها، أو عدم نُضجها، أو بتوقُّف نضجها.

أمَّا سوءُ مزاجٍ عضو ما فيَنجم عن سوء قِيامه بوظيفته، ويحدثُ ذلك حين يتبرَّد إذا كان مزاجُه الطبيعي حاراً، أو تزداد حرارتُه إذا كان مزاجُه الطبيعي بارداً.

هذا فيما يتعلَّق بالأمراض الباطنة التي تصيب الأعضاءَ المفردة. أمَّا الأمراضُ الباطنة التي تصيب الجسمَ كلَّه، كالحُمَّيات مثلاً، فقد رَدُّوا حُدوثَها إمَّا إلى فساد هواء المنطقة، أو فساد مياهها، أو إلى عفنٍ يُصيب بعضَ الأخلاط، لاسيَّما الدم.

ومن الجدير بالذكر أن نشيرَ إلى أنَّ ابنَ سينا كان أوَّلَ من تَحدَّث عن الهواء الفاسد، وإمكانيَّة نقله للأمراض. وهذه إشارةٌ منه إلى وجود عوامل مُمرِضة تنتقل بالهواء (وهي ما تُعرَف في أيَّامنا هذه بالجراثيم أو البكتيريا).

كما أنَّ هناك أسباباً طارئة أو خارجية لبعض الأمراض، كالجُروح بالآلات القاطعة، والرُّضوض بالأحجار أو ما شابهها، ولدغ الأفاعي والحشرات، والإصابات النَّاجمة عن الشمس المُحرِقة والبرد القارس وما شابه ذلك.


صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
علم الأمراض في الطب العربي القديم


وصف الأطبَّاءُ العرب الصحَّةَ health بأنَّها حالةُ الجِسم السليم التي تكون فيها أمزجتُه متوازنةً ومعتدلة ، وأجهزتُه تقوم بوظائفها على الوجه الأمثل.

ووصفوا المرضَ disease بأنَّه الحالةُ التي تكون فيها الأجهزةُ مختلَّةً والأمزجة غيرَ متوازنة.

وبقيت هذه المفاهيمُ مقبولةً ومتَّبعة في تفسير أسباب الأمراض (الباثولوجيا pathology) ومعرفة كنهها حتَّى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أي حتى اكتشاف العوامل الممرضة الحقيقية واختراع وسائل التشخيص المتطوِّرة. وبذلك دخل علمُ الأمراض ميادينَ فسيحةً من المعرفة, وتغيَّر كثيرٌ من المفاهيم الطبِّية المتعلِّقة بتعليل الظواهر المرضية وظهور الأمراض.

كما قسَّم الأطباءُ العرب الأمراضَ التي تعتري الإنسان إلى عدَّة أنواع، منها:

● الأمراض الموضعيَّة: وهي الأمراضُ الظاهرة للعيان، والتي تُغيِّر شكلَ العضو أو قوامه، أو لونه؛ ومنها:

- الأورام الحارَّة: هي التي ندعوها في هذه الأيَّام الالتهاباتِ المزمنة.

- الأورام الجاسية أو الصُّلبة: وهي إمَّا أن تكونَ حميدة كالثآليل والمسامير، وإمَّا أن تكونَ خبيثة كالسَّرطانات الجلدية.

● الأمراض العامَّة: وهي الأمراضُ الباطنية التي لا تظهر للعيان، بل تُعرَف بما ينجم عنها من أعراض وعلامات مَرَضية.

وتنشأ هذه الأمراضُ عن فساد في مزاج العضو المريض أو الجهاز المعتل، فيصبح قاصراً عن تأدية وظيفته الطبيعية.

وكان القدماءُ يَرُدُّون ذلك إلى اضطراب في الأخلاط الطبيعية أو خلل يطرأ عليها:

- فقد تُصادَف في غير مواضعها، كوجود المرَّة السوداء في المعدة بدلاً من وجودها في الطحال.

- وقد يَعتريها الفسادُ في تركيبها.

- وقد لا تكون ناضجةً أو يكون نُضجُها زائداً أو ناقصاً.

- وقد تزداد كمِّيتُها عما ينبغي أو تنقص.

أمَّا ما يخرج عن الطبيعة فيُسمَّى فضلاً أو فضولاً، ويصبح موادَّ ضارَّةً يتخلُّص منها الجسمُ بالاستفراغ (كالتقيُّؤ والإسهال والتبوُّل والتغوُّط والتعرُّق).

وقد قَسَّم عليُّ بن عباس المجوسي الأمراضَ إلى ثلاثة أنواع:

■ أمراض الأعضاء المتشابهة الأجزاء: وهي إمَّا أن تكونَ بسيطة، وإمَّا أن تكونَ مركَّبة:

- فالبسيطةُ أربعة: حارَّة، أو باردة، أو رطبة، أو جافَّة.

- والمركَّبة أربعة: حارَّة رطبة، أو حارَّة جافة، أو باردة رطبة، أو باردة جافة.

■ أمراض الأعضاء الآلية: وهي أربعةُ أنواع:

- أمراض الخِلقة: وهي التي تؤثِّر في شكل العضو المصاب.

- أمراض المقدار: وهي التي تؤثِّر في حجم العضو المصاب.

- أمراض العَدد: وهي التي تؤثِّر في عدد الأعضاء المصابة.

- أمراض الموضِع: وهي التي تتعلِّق بمكان العضو المصاب.

■ أمراض تَفَرُّق الاتِّصال: وتشمل إصاباتِ الأعضاء السابقة
(المتشابهة الأجزاء والآلية)، وينجم عنها انفصالٌ بين أجزائها. وتحدث هذه الإصاباتُ في العظام والجلد والعضلات وخلافها، كالرأس والوجه واليدين والقدمين وغيرها من الأعضاء المركَّبة.

فإذا أصابت العظامَ سُمِّيت كسوراً، وإذا أصابت الجلدَ والعضلات دُعيت جروحاً، وإذا استمرَّت وأزمنت سُمِّيت قُروحاً.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
علي بن رضوان

376 هـ/986 م = 460 هـ/ 1067 م

هو أبو الحَسَن عليُّ بن رَضوان بن عَلي بن جَعفَر. وُلِد في الجيزة، ونشأَ في القاهرة، وكان أَبوه فرَّاناً. انصَرفَ منذ طفولته إلى التعلُّم، وولعَ بالطبِّ والفلسفة منذ الرَّابعة عشر من عمره، واستطاعَ بفَضل جَدِّه واجتهاده وطُموحه وعلوِّ هِمَّته أن يَحظى بمرتبةِ رئاسة أطبَّاء مصر، وهو في الثَّانية والثَّلاثين من عُمره في زَمَن الحاكِم بأمر الله، وقيل في زمن المستنصِر بالله، الفاطِمِيَين.

وقد أوغرَ نَجاحُه هذا صدورَ عددٍ كبير من الحُسَّاد والمناوئين، ومنهم ابنُ بطلان والقفطي. وفي تاريخ ولادة أبي الحَسَن علي بن رَضوان ووفاتِه اختلافٌ كبير. ولكن، يذكر ابنُ أبي أُصيبعة في كتابِه "عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء" أنَّ وفاةَ علي بن رضوان كانت في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة بمصر، وذلك في خِلافة المستنصر باللَّه أبي تميم معد بن الظَّاهر.

كانَ ابنُ رضوان طبيباً بارعاً، ومُمارِساً ماهراً، ومؤلِّفاً غزيرَ الإنتاج، تركَ تراثاً طبِّياً كَبيراً، فزادت مؤلَّفاتُه على المائة ما بين كتابٍ ورسالة ومقالة وشرح. كما كانَ كثيرَ الردِّ على من كان يُعاصِره من الأطبَّاء وغيرهم، وكذلك على كَثير مِمَّن تَقدَّمه، وكانت عندَه سفاهَة في بحثه، وتَشنيع على من يريد مُناقَشته، وأكثر ذلك يوجد عندما كان يردُّ على حنين بن إسحاق وأبي الفرج بن الطيِّب، وكذلك على أبي بكر محمَّد بن زكريا الرَّازي. ولم يكن لابن رضوان في صناعة الطبِّ مُعلِّم يُنسَب إليه، وله كتابٌ في ذلك يتضمَّن أنَّ تحصيلَ الصناعة من الكتب أوفقُ من المعلِّمين. ومنه أعماله وكتبه:
الأُصُول في الطب.
النَّافع في كيفيَّة تعليم صِناعَة الطب.
مَقالة في دفع مَضارِّ الأبدان عن أرض مصر.
تَفسير وصيَّة أبقراط المعروفة بتَرتيب الطب.
مَقالة في شَرف الطب.
حَلُّ شُكوك الرَّازي على كُتُب جالينوس.
كتاب كِفاية الطَّبيب فيما صح لديَّ من التَّجاريب.
رسالةٌ في التطرُّق بالطبِّ إلى السَّعادة، وتكلَّم فيها بإسهابٍ عن شَرف الطب وأدب الطَّبيب.

وَضَع عليُّ بن رضوان قواعدَ يجب أن تتوفَّر في الطبيب، وهي كما جاء في كتبه، نقلاً عن ابن أبي أُصيبعة: "الطَّبيبُ ـ على رأي أبقراط ـ هو الذي اجتمعت فيه سبعُ خِصال:

- الأولى أن يكونَ تامَّ الخَلق، صحيحَ الأعضاء، حسنَ الذكاء، جيِّد الرويَّة، عاقلاً، ذَكوراً، خيِّر الطبع.

- والثَّانية أن يكونَ حسنَ الملبس، طيِّبَ الرائحة، نظيفَ البدن والثوب.

- والثَّالثة أن يكونَ كَتوماً لأسرار المرضى، لا يبوح بشيءٍ من أمراضهم.

- والرَّابعة أن تكونَ رغبتُه في إبراء المرضى أكثرَ من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء أكثرَ من رغبته في علاج الأغنياء.

- والخامِسة أن يَكونَ حَريصاً على التَّعليم والمبالغة في منافع الناس.

- والسَّادسة أن يكونَ سليمَ القلب، عفيفَ النظر، صادِقَ اللَّهجة، لا يخطر بباله شيءٌ من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلاً عن أن يتعرَّضَ إلى شيء منها.

- والسَّابعة أن يكونَ مأموناً ثقةً على الأرواح والأموال، لا يصف دواء قتَّالاً ولا يعلمه، ولا دواء يُسقِط الأجنَّة، يُعالِج عَدوَّه بنيَّة صادقة كما يُعالِج حبيبَه".

ويُميِّز ما بين المعلِّم أو الأستاذ في الطبِّ والمتعلِّم، فيقول: "المعلِّم لصناعة الطبِّ هو الذي اجتمعت فيه الخصالُ بعد استكماله صناعةَ الطبِّ، والمتعلِّم هو الذي فراسته تدلُّ على أنَّه ذو طبع خيِّر، ونفس ذكيَّة، وأن يكون حريصاً على التعليم، ذكياً، ذَكوراً لما قد تعلَّمه".

ويَلفتُ عليُّ بن رضوان النَّظر إلى أهمِّية الفحص السَّريري أو الإكلينيكي للمريض، ويفصِّل في ذلك تَفصيلاً واضِحاً بيِّناً، حيث يَقول: "تُعرَف العُيُوبُ بأن تنظرَ إلى هيئة الأعضاء والسِّحنة والمزاج وملمس البشرة، وتتفقَّد أفعال الأعضاء الباطنة والظاهرة، مثل أن تنادي به من بعيد، فتعتبر بذلك حالَ سمعه، وأن تعتبر بصرَه بنظر الأشياء البعيدة والقريبة، ولسانه بجودة الكلام، وقوَّته بشيل الثِّقل والمسك والضبط والمشي وأنحاء ذلك، مثل أن تنظرَ مشيَه مُقبِلاً ومدبراً؛ ويُؤمَر بالاستلقاء على ظهره ممدودَ اليدين قد نصبَ رجليه وصفَّهما، وتعتبر بذلك حالَ أحشائه؛ وتتعرَّف حالَ مزاج قلبه بالنبض وبالأخلاق، ومزاج كبده بالبول وحال الأخلاط؛ وتعتبر عقلَه بأن يُسأَلَ عن أشياء، وفَهمِه وطاعته بأن يُؤمَر بأشياء، وأخلاقه إلى ما تَميل بأن تعتبرَ كلَّ واحد منها بما يحرِّكه أو يسكنه، وعلى هذا المثال أجرُ الحال في تفقُّد كلِّ واحد من الأعضاء والأخلاق، أمَّا فيما يمكن ظهوره للحس فلا تَقنع فيه حتَّى تُشاهده بالحس؛ وأمَّا فيما يُتعرَّف بالاستدلال، فاستدلَّ عليه بالعَلامات الخاصَّة، وأمَّا فيما يُتعرَّف بالمسألة فابحث عنه بالمسألة، حتَّى تعتبرَ كلَّ واحد من العيوب، فتعرف هل هو عَيبٌ حاضِر أو كانَ أو متوقَّع، أَم الحال حال صحَّة وسلامة".
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
رب باسم هالي عباس Haly Abbas. انتقلَ إلى بغدادَ وتُوفِّي فيها بعد أن دخلَ في خدمة عَضُد الدولة البُوَيهي. أعطته مُنجَزاته في صناعة الطبِّ مقامَه الأوَّل بين أطبَّاء عصره ومن سبقه ومن جاء بعده من أطبَّاء الشرق أو الغرب. وهو يُعدُّ من أوائل الأطبَّاء الذين اعتمدوا الدقَّةَ العلمية في أبحاثهم، والتي تَجلَّت في التَّركيز خلال الفحوص السَّريرية على المرضى، وقد أوصى العاملين في مهنة الطبِّ بالتَّدريب الدائم، والتأنِّي في استخلاص العلَّة، والاستفادة ممَّن سبقهم من الأطبَّاء. وعاشَ في عَصر الطَّبيب أبي بكرٍ الرَّازي.

كان طَبيباً مُجيداً متميِّزاً في صناعةِ الطبِّ، وواحِداً من أهمِّ الأطبَّاء العَرب الذين عرفهم الأوروبيُّون, واتَّخذوا كتاباتهم أساساً لدراسة الطبِّ، وربَّما يكون أوَّلَ طبيبٍ مُسلِم عرفه الغربُ اللاتينِي. وقد اشتغلَ بصناعة الطبِّ على يد أبِي ماهِر موسى بن سيَّار، وتتلمَذ له. كما درسَ النَّباتاتِ ومَنافِعَها، وصناعةَ العَقاقير منها.

لم يكن عليُّ بن عبَّاس الأهوازي من الأطبَّاء الذين اشتُهروا بكثرة مصنَّفاتهم، لكنَّه كتب كتاباً بعنوان "كامِل الصِّناعة الطبِّية"، صارَ مَرجِعاً لجميع الأطبَّاء في الشَّرق والغرب على السَّواء. واشتُهرَ هذا الكِتابُ باسم "الكتاب الملكي"، حيث صنَّفه للملك عَضُد الدَّولة فناخسرو بن ركن الدَّولة أبي علي حسن بن بويه الدَّيلمي، المعروف باسم عَضُد الدَّولة البُوَيهي، وكان طَبيبَه الخاص؛ وهو كتابٌ جَليلٌ مشتمِل على أجزاء الصناعة الطبِّية، عِلمِها وعَملِها.

الكِتابُ الملكيُّ في الطبِّ موسوعةٌ طبِّية مُتقَنة ضمَّ عشرون مقالةً، تَناولَ في المقالات العشر الأولى النَّواحي النظريَّة, أمَّا المقالاتُ العشر الأخرى فتَناولت صناعةَ الطبِّ. وقد اعتمدَ عليُّ بن عبَّاس في مؤلَّفه هذا على المشاهَدات العلميَّة في المستشفيات، لا على مُجرَّد الدِّراسة النظريَّة. وقد بَقِيَ موئلَ العُلَماء والدَّارسين زَماناً إلى أن ظهرَ كتابُ القانون لابن سينا، فمالَ النَّاس إليه وتركوا الكتابَ الملكي؛ وقد قِيل إنَّ الكتابَ الملكي في القسم العملي أبلغُ من القانون، لكنَّ القانونَ في العلم أثبتُ منه. ومن الأمور المبتَكرة في هذا الكتاب إشارتُه إلى وجود الحركة الدَّموية الشعريَّة، وبُرهانُه على أنَّ الطفلَ في الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه، بل بفَضل تقلُّصاتٍ عضلية في الرَّحِم. وكان أوَّلَ من تكلم عن عِلاج التورُّم المسمَّى أُمَّ الدَّم [جمعها: أُمَّهاتُ الدَّم] أو الأنوريزم aneurysm بالجراحة، ووصفَ ذلك بقوله: "ينبغي أن تشقَّ الجلدَ شقاً بالطول، وتُخرج ما في الموضِع من الدم، وتكشف عن الشِّريان وتُعرِّيه من الأجسام التي حوله، وتعلِّق الشِّريانَ بصنَّارة. ثم إنَّك تأخذ إبرةً قد نُظم فيها خيطٌ من إبريسم، وتُدخِله تحت أحد طرفَي الشِّريان، وتعقده وتقطع الخيطَ، وتفعل ذلك من الجنب الآخر، وتُنشِّف الموضعَ من الدم، وتضع على الموضع خرقاً مبلولة بشراب ساعة، ثم تذرَّ عليه الذرورَ المُلحم، ثمَّ المراهِم المُنبِتة للحم». كما وصفَ علاجَ كسر الفكِّ السُّفلي بالتَّجبير، وعمليَّة تفتيت الرَّأس في الجنين ذي الرأس الضَّخم عندَ عُسر الولادة، وأجادَ في عملية استئصال اللَّوزتين، واستِخراج حصيات المثانة، وكان أوَّلَ من أشار إلى صعوبةِ شفاء مَريض السلِّ الرئوي بسبب الحركةِ الدَّائمة للرِّئة.

وقد قام قُسطنطين الإفريقي بتَرجمة كتاب الملكي إلى اللاتينيَّة، ونَسبَه إلى نفسه، ونَشَره باسمه، وبقي الكتابُ يُدرَّس بمدارس أوروبَّا اللاتينية إلى جانب الحاوي للرَّازي والقانون لابن سينا والتَّصريف للزهراوي والتَّيسير لابن زُهر حتَّى القرن السَّادس عشر للميلاد ، وكانت قد ظهرت سنة 1127 م ترجمةٌ جَديدة للكتاب أعدَّها إلياسُ اصطفان الأنطاكي ذكرَ فيها اسمَ المؤلِّف الحقيقي، وهو عليُّ بن عبَّاس المجوسي.

عَرَّفَ عليُّ بن عبَّاس الأهوازي النَّبضَ تَعريفاً علمياً في غايةٍ من الدقَّة والتَّشبيه الذي يدلُّ على حاسَّةٍ أدبية ومعرفةٍ مرهفة بالتَّصوير البديعي، فقال: "إنَّ النبضَ رسولٌ لا يكذب ومُنادٍ أخرسَ يُخبر عن أشياء خفية بحركاته الظاهرة"؛ ثمَّ يُقرِّر معلومةً رائعة من الناحية العلمية غير مسبوقة فيقول: "والقلبُ والعروق الضَّوارب تتحرَّك كلُّها حركةً واحدة على مثالٍ واحد، في زمان واحد. يعني أنَّ حركةَ كلَّ واحدٍ منها مساويةٌ لحركة الآخر، لا يخالف بعضَها بعضاً في جَميع حالاتها، حتَّى إنَّه يمكن أن يُقاسَ على جميعها. ولذلك، صِرنا نتعرَّف حالَ حركة القلب من حركة الشِّريان".

ويُقال إنَّ عليَّ بن عبَّاس الأهوازي سبقَ ابنَ النَّفيس في وصف الدَّورة الدموية في حَديثه عن وظيفتَي الانقِباض والانبساط ـ الشَّهيق والزفير ـ في كتابه "كامِل الصناعة الطبِّية"؛ وهذه مقولةٌ قابلة للبحث والمداولة.

ويُعدُّ عليُّ بن عبَّاس الأهوازي من أوائل الأطبَّاء القُدامى القائلين بوجود شبكةٍ شعرية بين العروق النابضة (أي الشَّرايين) وغير النابضة (أي الأوردة). وقد سبقَ بهذا الإنجاز الطبِّي الطبيبَ الإنكليزي هارڤي (1578ـ 1658م) بوصفه الدورة الدَّموية في الأوعية الشعرية.

كما وَصفَ استئصالَ الأورام التي تلحق بالرحم والإصابة في التهاب عنقه. وأكَّد الاستئصالَ الجراحي للوزتين إذا عظمَ حَجمُهما، وطالت مدَّته، وعَسُر على صاحبهما البلعَ، ولم تنجح بشفائهما الأدويةُ والغَرائر وما في قوَّتِها. وقد ظَهرت براعتُه في الجراحة أيضاً في معالجة الكسور والخلوع وتَجبيرها. ووضعَ وصفاً دقيقاً في معالجة الفكِّ السفلي إذا أصابه كسر.

وقد اهتمَّ عليُّ بن عباس الأهوازي بطبِّ الأسنان اهتماماً بالغاً، ممَّا جَعلَه يُقدِّم دراسةً مُتَكاملة عن هذا الموضوع في كتابه. ودرسَ مرضَ الصَّرع بعُمق، حتَّى إنَّه وصلَ إلى نتائج بقيت مرجعاً عبر العصور.

تَنبَّه عليُّ بن عبَّاس الأهوازي إلى صعوبة شفاء الرئة المصابة بالسلِّ، وقال بصدد ذلك: "إنَّ السببَ الذي من أجله لا يُشفى السلُّ الرئوي هو أنَّ الرئةَ دائمةُ الحركة لا تلتحم لكثرة حَركتها وهزِّها وإزعاج السُّعال لها، لأنَّ العضو المتقَرِّح يحتاج إلى أن يكونَ هادئاً ساكناً حتَّى تلتحمَ قرحتُه"، وقد كان الرَّائدَ الأوَّل في وصف عمليَّة "خَمص الرِّئة" التي انتشرَ استعمالُها في معالجة السلِّ في مطلع القرن العشرين قبلَ اكتشاف المضادَّات الحيويَّة.

ابتَكرَ عليُّ بن عبَّاس الأهوازي القثاطِيرَ catheters التي كان يستعملها لاستِخراج البول من مثانة المريض المصاب بعُسر البول، وكان من الرُّوَّاد الأوائل في معالجة التهاب العُقَد اللِّمفية الرقبيَّة الدرنِي، وذلك باستئصالها جراحياً وتنظيفها بدقَّة وانتباه وحذر.

وفيما يَتعلَّق بأخلاقِ الطَّبيب وتَعامُله مع مرضاه، قال عليُّ بن عبَّاس الأهوازي "يَنبَغي للطَّبيب أن يكونَ طاهراً ذكياً ديِّناً, مُراقِباً لله عزَّ وجل, رقيقَ اللِّسان محمودَ الطريقة مُتَباعداً عن كلِّ نَجس ودنس وفجور، وألاَّ يُفشِي للمَرضى سِراً, ولا يُطلِع عليه قريباً أو بعيداً؛ فإنَّ كثيراً من المرضى يَعرِض لهم أمراضٌ يكتمونها عن آبائهم وأهاليهم ويُفشونها للطَّبيب .."..
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
مفهوم المعالجة عند قدماء الأطباء العرب
تُعرَف المعالجةُ Treatment في بعض المؤلَّفات الطبِّية العربيَّة التُّراثية باسم التَّدبير Management.

وهي علمٌ غايتُه بُرءُ المريض واسترداد لعافيته. وقد برع الأطبَّاءُ العرب القُدامى في معالجة مرضاهم بالوسائِل التي كانت متوفِّرةً لديهم من أغذيةٍ وأدوية وحِمية، وبالفِصادَة والحِجامَة والجِراحة، وبالتَّوجيه والنُّصح والإرشاد.

وقد وَضعوا للمُعالجة قواعدَ وقوانينَ لا يَجوز إغفالُها أو الاستهانة بها، وهي:

1. إذا أمكنَ التَّدبيرُ بالأغذية، فلا تَعدل إلى الأدوية.

2. لا تُؤثِر الدَّواءَ المركَّب على الدَّواء المفرد إذا وجدت أنَّ الثانِي كافٍ.

3. إذا ما أشكل عليك المرضُ، فلا تَهجم بالدَّواء قبلَ أن يتضَّحَ لك الأمر.

4. لا تَجمع بين الفَصد والمسهِل في يومٍ واحد.

5. الحمَّام قبلَ الدَّواء يعين عليه.

6. النَّوم على الدَّواء القوي يزيد من فعله.

7. لا يسهل بالدَّواء شيخٌ ولا طفل، ولا من به زَرَب البطن، ولا ضعيف القوة، ولا من به قرحة.





الغِذاءُ

وهو أوَّل ما كان يهتمُّ به الطَّبيبُ العربي ويراعيه في معالجة مريضه، فيسمح بتناول الأطعمة الملائمة ويمنع الضارَّة منها، وينصح بنقصان كمِّية الغذاء أو بتعديل طريقة تحضيره وبتحديد أوقات تناوله.

الدَّواء

كان الطبيبُ المعالِج يصف لمريضه الدواءَ المناسب مراعياً حالتَه الصحِّية وأخلاطه ومزاجه وعمره وجنسه ووزنه وعاداته، وكان يُتقِن قوى الأدوية المفردة وأفعالها ومنافعها وكمِّياتها إتقاناً تاماً.

وقد ميَّز الأطبَّاءُ العرب للأدوية ثلاثَ قوى:

الأُوَل: وهي الأمزجةُ أو الطَّبائع الأربع، ولكلِّ قوَّة أربعُ درجات.

الثَّوانِي: وهي قوى كثيرة لا يختصُّ بها عضوٌ معيَّن، وأهمُّها المنضِّجة والمليِّنة والمصلِّبة والمسكِّنة.

الثَّوالِث: وهي قوى محدودة العدد وتخصُّ أعضاء معيِّنة، مثل المفتِّتة للحصى والمدرَّة للبول والطَّمث والمُعينَة على نَفثِ ما في الصَّدر.

وكانوا يَنصحون دائماً بالبدء في استعمال الغذاء، فإذا لم يستفد منه المريض يُلجأ إلى الدَّواء.

يَقولُ الرَّازي (نقلاً عن ابن أبي أُصَيبِعَة في عيون الأنباء):

"إن استطاعَ الحكيمُ أن يُعالِجَ بالأغذية دون الأدوية فقد وافقَ السَّعادة " (19) .

ويقول ابنُ زهر (نقلاً عن ابن أبي أُصَيبِعَة في عيون الأنباء):

"أقسم بالله أنَّي ما سقيتُ دواء مسهلاً قط إلاَّ واشتغل بالي قبله بأيَّام وبعده بأيَّام، فإنَّما هي سموم، وكيف حال مدبِّر السُّم ومُسقِيه".

الفِصادةُ والحجامة

كانت الفصادةُ عندَ الأطبَّاء العرب من أكثر الوسائل اتِّباعاً في معالجة الأمراض.

وكان يُراعى في إجرائها عمرُ المريض وجنسه وحالته الصحِّية، كما كان يُراعى الفصل والوقت الذي يتَّفق مع أبراجه.

ولقد مُنِعت مزاولتُها لدى المسنِّين والأطفال والحوامل.

وإذا صادفَ ما يمنع إجراءَ الفِصادة، يُلجأ إلى الحجامة الجافَّة أو الحجامة المصحوبة بإخراج الدم.

وأخيراً، لا يَغربُنَّ عن البال وجودُ وسائل أخرى كان يَلجأ إليها الطبيبُ العربِي في المعالجة، وهي الكيُّ والاستفراغ والرِّياضة والاستحمام والتَّدليك والتَّكميد.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
مَقالةٌ في أَمراضِ التنفُّس عندَ العَرَب


أَمراضُ التنفُّس Diseases Of The Respiratory System هي الأَمراضُ التي تَعتَري مسالكَ التنفُّس العُلويَّة (الأنف والفم والحلق والحَنجَرة والرُّغامى) والرِّئتين وغشاء الجنب الذي يحيط بهما ويغلِّفهما.

وقد أَجادَ الأطبَّاءُ العَرَب في بَحثِ الأَمراض المتعلِّقة بجهاز التنفُّس، بحسب مَفاهيمهم ونظريَّاتهم في الأخلاط والقوى والأَمزِجة، فتكلَّموا عن الرُّعاف والزُّكام والنَّزلة من أمراض الأنف، وعن الذَّبحة والخَوانيق من أمراض الحلق، وعن اضطرابات الصَّوت وبُحَّته وانقطاعه من أمراض الحَنجَرة.

وأَفاضُوا في الكَلام عن أمراض الرِّئة وغشاء الجنب، ومنها ذاتُ الجنب pleuritis وذات الرِّئة pneumonia وأورام الرِّئة الصُّلبة والرخوة واجتماع الماء في الرِّئتين وبثور الرِّئة وقروحها ومنها السُّلُّ tuberculosis.

كما تَكلَّموا عن التنفُّس واضطراباته وعُسرته وضيقه، وعن السُّعال والرَّبو ونفث الدَّم.

ونَتَحدَّث هُنا عن نفث الدَّم وذات الجنب وذات الرئة والسُّل.

1. نَفث الدَّم Hemoptysis:

أَطلقَ الأطبَّاءُ العَرب هذا المصطلحَ على خروج الدَّم من فوهات التنفُّس العليا (الفم والمِنخَران) مع مفرزاتٍ أخرى أو من دونِها.

وقد قَسَّموا نفثَ الدَّم إلى عدَّة أنواع، وصنَّفوها بحسب مصدرها وعلاماتها وأعراضها، وميَّزوا بينها تَمييزاً دقيقاً.

يَقولُ ابنُ سينا في نَفث الدَّم: "إنَّ الدَّم قد يَخرج "ثُفلاً" فيَكون من أجزاء الفم، وقد يَخرج "تَنخُّماً" فيكون من ناحية الحلق، وقد يخرج "تَنَحنُحاً" فيكون من القصبة، وقد يخرج "قَيئاً" فيكون من المريء وفم المعدة (الفؤاد) أو من المعدة والكبد، وقد يَخرج "سُعالاً" فيكون من نواحي الصَّدر والرئة ... وكثيراً ما يكون الدَّمُ المنفوث "رُعافاً" سالَ من الرأس إلى الرِّئة ... وكثيراً ما تتَّسع المنافذُ من أجزاء القصبة والشَّرايين فوق الذي في الطبع، فيرشح الدم إلى القصبة ... وإذا عرض الامتلاءُ الدموي ـ وربَّما يقصد بذلك المرضَ الذي نعرفه في هذه الأيَّام باسم "فرط ضَغط الدم Hypertension" ـ أَقبَلت الطَّبيعَةُ إلى دفع المادَّة إلى أيَّة جهة أَمكنتها ... فدفعتها بنفثٍ أو إسالة من البَواسير أو في الطَّمث أو في الرُّعاف ... فإن كانت العُروقُ قويةً لا تتخلَّى عن الدم عَرضَ موتُ فجأة" (ابنُ سينا ـ القانون).

ويُضيفُ ابنُ سينا في ذكر علامات النَّفث قائلاً: "إنَّ القريبَ من الحَنجَرة يُنفَث بسُعال قليل، والبعيدُ بسُعال كثير، وكلَّما كان أبعدَ تنفث بسعالٍ أشد. وإذا نيم على الجانب الذي فيه العلَّةُ، ازداد انتفاثُ ما ينتفث. وعلامةُ الدم المنفوث من جوهر لحم الرِّئة من جراحة أو قرحة أن يكون زبدياً ويكون منقطِعاً لا وجعَ له. والمنفوثُ من عروقها لا يكون زبدياً، وقد يكون غَزيراً" (ابنُ سينا ـ القانون).

2. ذاتُ الجَنب Pleurisy:

وتُسمَّى، في بعض الكتب الطبِّية التراثية، "شُوصَة وبِرساما". يقول صاحب القانون: "قد يعرضُ في الجنب والصِّفاقات والعَضَل التي في الصدر والأضلاع ونواحيها أورامٌ مؤذية جداً موجِعَة، تُسمَّى شوصة وبرساماً، وذات الجنب. وقد تكون أيضاً أوجاعاً في هذه الأعضاء ليست من ورم، ولكن من رياحٍ غليظة، فيُظنُّ أنَّها من هذه العلَّة، ولا تكون منها. قال: وأعلم أنَّ كلَّ وجعٍ في الجنب قد يُسمَّى ذات الجنب اشتقاقاً من مكان الألم ، لأنَّ معنى ذات الجنب صاحبةُ الجنب، والغرضُ به ها هنا وجعُ الجنب؛ فإذا عرضَ في الجنب ألمٌ عن أيِّ سبب كان نُسِب إليه، وعليه حملُ كلام أَبُقراط في قوله: إنَّ أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمَّام. قيل: المراد به كلُّ من به وجعُ جنب، أو وجعُ رئة من سوء مزاج، أو من أخلاطٍ غَليظة، أو لذاعة من غير ورمٍ ولا حُمَّى".

يُحدِّد الرَّازي علاماتِ الإصابة بذات الجنب في قوله المشهور: "إذا حدثَ بالإنسان وجعٌ تحت أضلاعِه ناخِسٌ، وخاصَّة إذا سعلَ سعلةً يابسة، وحُمَّى" (الرَّازي ـ المَنصُوري).

وعرَّف ابنُ سينا ذات الجنب بأنَّها "ورمٌ حارٌّ في نواحي الصَّدر، إما في العضلات الباطنة وفي الحجاب المستبطِن للصدر، وإمَّا في الحجاب الحاجِز ..." (ابنُ سينا ـ القانون).

"وعَلاماتُ ذات الجنب خمسٌ: حمَّى لازمة، ووجع ناخِس تحت الأضلاع ... وضِيق نَفَس ... ونبض مِنْشاري ... وسُعال ..." (ابنُ سينا ـ القانون).

وعَدَّد، بإِسهاب، العلاماتِ والأعراض التي تُفرِّقها عن ذات الرئة وذات الكبد والسُّل.

ثمَّ تَطرَّق إلى ذكر مُضاعفاتِها، ومن أهمِّها الدُّبَيلَةُ empyema (تقيُّح الصَّدر Pyothorax). وفي ذلك يَقول: "فإذا امتلأَ فِناءُ الصَّدر من القيح، كان من علاماته ثِقلٌ وسُعال يابِس مع بَهَر hyperpnea ـ أي تَتابُع النَّفسُ من الإعياء ـ ووجع ... ويكون نَفسُهم مُتَتابعاً ... وتَلزمُهم حمِّى دقَية hectic ـ أي حُمَّى تُعاوِد يومياً ـ ... وقد ينفثُ المتقيِّح شيئاً كثيراً جداً، والمادَّةُ تتميَّز بالنَّتَن fetor عندَ النَّفث، وتَرسُب ولا تطفو. وأمَّا عَلاماتُ انتِقال التقيُّح إلى السُّلِّ ... تَعقُّفٌ من الأظفار ـ ويُقصَد بِها تَعجُّر الأصابع
Clubbing" (ابنُ سينا ـ القانون).

ومَآلُ prognosis ذات الجنب سيِّئٌ جداً، وغالباً ما تَنتَهي بالموت.

أمَّا عِلاجُها، عندَ الأطبَّاء العرب، فيكون بتَسهيل النفث، وإخراج القَيح، وذلك "بمكوى دقيق يُثقَب به الصَّدر" . ويُتَحاشى أن يُلجأ إلى استعمال المخدِّرات ما أمكن، لأنَّها تمنع النضحَ والنَّفث. ويُغَذَّى المريضُ باللحم والغذاء المعتَدِل، ولا يُلتفَت إلى الحمَّى فإنَّها لا تَبرأ ما دامت المادَّة باقيةً.

3. ذات الرِّئة (اللاتهابُ الرِّئوي) Pneumonia:

يَقولُ الرَّازي في وصف ذات الرِّئة: "إذا حدثَ للإنسان حُمَّى مع ضيقٍ شَديد في التنفُّس كأنَّه يختنق، وحُمرَة في الوجنتين كأنَّهما مصبوغتان، ووجعٌ في مقدَّم الصدر، وسُعال، ونفث زبدي، وثِقل في الصدر بلا نخس ولا وخز، فإنَّه به ورمٌ حارٌ في رئته يُسمَّى ذات الرئة" (الرَّازي ـ المَنصُوري).

ويَصفها ابنُ سينا بأنَّها "ورمٌ حارٌّ يَحدث في الرِّئة" (ابنُ سينا ـ القانون).

وهي إمَّا أن تكونَ بِدئِيَّة، وإمَّا أن تكونَ تالية لنَزلةٍ صدرية، أو لخوانيق، أو لذات الجنب.

وعلاماتُها: "حُمَّى حادَّة ... وضيق نَفَس ... وحرارة نَفس شديد... وثِقل في الصدر ... ووجع يمتدُّ من الصدر ومن العنق إلى ناحية القص، وقد يحسُّ به المريضُ بين الكتفين، وقد يحس بضرباتٍ تحت الكتف والتَّرقوة والثدي، إمَّا متَّصلاً أو عندما يسعل، ولا يُحتَمل إلاَّ أن يضطجعَ المريضُ على القفا...، وصاحبُ ذات الرئة يحمرُّ لسانه أوَّلاً، ثم يسودُّ ... ويظهر في وجهه حُمرَة وانتفاخ" (ابنُ سينا ـ القانون).

وهذا المرضُ قاتِلٌ في سبعة أيَّام؛ وقد يَنتقِل إلى ذات الجنب أو إلى السُّلِّ.

4. السُّل Tuberculosis:

"السلُّ قُروحٌ تَحدث في الرِّئة ... إمَّا من نزلة لذاعة أكَّالة أو معفِّنة لمجاوراتها التي لا تسلم معها الرئةُ إلى أن تنضجَ، أو مادَّةُ هذا الجنس تسيل إلى الرئة من عضوٍ آخر، أو تقدم من ذات رئة قد فاحت وتقرَّحت، أو تقيح من ذات جنب انفجرت، أو سبب من أسباب نفث الدم" (ابنُ سينا ـ القانون).

"وعلاماتُ السُّلِّ هو أن يظهر مدَّة ... وحمَّى دقِّية ... تشتدُّ مع الغداة وعندَ الليل ... وفاض العرقُ منهم كلَّ وقت ... وأخذَ البدن بالذُّبول ... والأطراف في الانحناء، والشعر في الانتثار ... ويشتدُّ العطشُ وتبطل الشهوة للطعام ... وكثيراً ما يشتدُّ بهم السعالُ ويؤدِّي إلى نفث الدم ... فالموت" (ابنُ سينا ـ القانون).

"والسنُّ الذي يكثر فيه السلُّ ما بين ثماني عشرة سنة إلى حُدود الثَّلاثين سنة، وهو في البلاد الباردة أكثر ... وقد يَعرِض للمسلول أن يمتدَّ به السلُّ مُمهِلاً إيَّاه برهة في الزمان، وأصحاب قروح الرئة يتضرَّرون جداً في الخريف" (ابنُ سينا ـ القانون).
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
مقالةٌ في اضطرابات إفراغ البول في الطب العربي القديم

عسر التبول

مردُّه إمَّا إلى سببٍ في المثانة (ورم، أو برد أو حر من الخارج، أو ضربة، أو سقطة، أو احتباس كثير للبول)، وإمَّا إلى سبب في المجرى، أي في عنق المثانة والإحليل (وهو ورم، أو حصاة، أو ثؤلول، أو التحام قرحة).

كثرة التبول (البوال)

تنجم عن الإصابة بالدَّاء السكَّري
(الديابيطس)، أو عن القروح في المثانة، أو عن البرد الشديد، أو عن يبس البراز.

قلة البول

تنجم عن قلَّة الشرب، وكثرة الإسهال، وقصور الكلية والكبد كما هي الحال في الاستسقاء.

سلس البول

وهو خروجُ البول بلا إرادة ولا حرقة ولا ألم. وينجم، في أكثر الحالات، عن البرد الشديد، أو استرخاء المثانة وضعفها؛ كما يحدث في آخر الأمراض المزمنة، أو بسبب الإكثار من المدرَّات، أو بسبب ضاغط مجاور كالحمل والأورام العظيمة في البطن.

ومنه سلسُ البول في الفراش الذي ينجم عن استرخاء العضلة، وربَّما أعانه حدَّة البول، والاستغراق في النوم.

يقول الرازي: "إذا كان العليلُ يَكثُر بولُه بلا حرقة، ويبول في نومه في الفراش، ولم يكن مع ذلك عطش، ولا نحافة في البدن، فاسقه ماسك البول".

ثمَّ يعدِّد الرازي في كتابه "المنصوري" وصفاتٍ كثيرةً لهذه العلَّة التي نكتفي بالإشارة إليها دون الدخول في التفاصيل.

حرقة البول

عزا القدماءُ حرقةَ البول إلى حدَّة البول، وإلى قروح في مجرى البول في القضيب.

وهي حرقةٌ لاذعة ومؤلمة تحدث في أثناء التبوُّل، وبخاصَّة عند بدء خروج البول من فوهة الإحليل الظاهرة أي (الصماخ البولي Urinary Meatus) . وتنجم هذه الحرقة، في معظم الحالات، عن تقيُّح واضح وغزير في فوهة الإحليل حسب رأي الطبِّ الحديث. وأسبابها كثيرة، من أهمِّها الإصابةُ بالجراثيم المقيحة، وبخاصَّة (المكوَّرة البنِّية Gonococcus)، وبالعوامل الأخرى.

وغالباً ما تحدث عقبَ الاتِّصالات الجنسية المشبوهة المعدية. فهي والحالةُ هذه إحدى الأمراض المنتقلة بالجنس، في لغة اليوم. وهي معروفة، أيضاً، باسم التهاب الإحليل التقيُّحي Urethritis أو السَّيَلان Gonorrhea.

وقد تحدث حرقةُ البول (بحسب الطبِّ المعاصر) عن تقيُّح ناجِم عن تخريش أو ورم أو حصيات في الكلى والمثانة.



صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
من فقه اللغة الطبية العربية: فُروقٌ في اللغة الطبِّية العربيَّة (3)


الفَرقُ بين الحياة والنَّماء

الحياةُ life (vita, biosis) هي ما تَصير به الجُملةُ كالشيء الواحد في جواز تَعلُّق الصِّفات بها؛ فأمَّا قولُه تعالى: [فأَحيَينا به الأرضَ بعدَ مَوتِها] فمعناه أنَّا جعلنا حالَها كحال الحيِّ في الانتفاع بها؛ والصِّفةُ لله بأنَّه حيٌّ مأخوذة من الحياة على التقدير لا على الحقيقة. كما أنَّ صفتَه بأنَّه موجودٌ مأخوذة من الوجود على التقدير. أمَّا النَّماءُ development فيزيد الشيءَ حالاً بعدَ حال من نفسه، لا بإضافةٍ إليه؛ فالنباتُ ينمي ويزيد، ولا يُقال لمن أَصابَ ميراثاً أو أُعطِي عطيَّةً أنَّه قد نمى مالُه، بل زاد، وإنَّما يُقال نَمى مالُه إذا زادَ في نفسه. والنَّماءُ في الماشية حقيقةٌ، لأنَّها تزيد بتَوالدها قليلاً قليلاً وفي الورق والذهب مَجازٌ. وهذا هو الفرقُ بين الزيادة والنَّماء؛ فالنَّماءُ زيادةُ الشيء من نفسه، والزيادةُ هي ازديادُ الشَّيء من غيره.

الفَرقُ بين الحيِّ والحَيَوان

الحَيوانُ animal هو الحيُّ organism ذو الجنس، ويقع على الواحِد والجمع، مثل سائر الأَحياء، ومنها الإنسان. وأمَّا قولُه تعالى: [وإنَّ الدارَ الآخرة لهِيَ الحيوان] فقد قال بعضُهم يعني البقاءَ، يُريد أنَّها باقيةٌ.

الفَرقُ بينَ الحياة والعَيش

العَيشُ live اسمٌ لما هو سَبب الحياةُ life (vita, biosis) من الأكل والشُّرب وما بسبيل ذلك، والشاهدُ قولُهم مَعيشة فلان من كذا يَعنون مأكلَه ومشربَه ممَّا هو سببٌ لبقاء حياته، فليسَ العَيشُ من الحياة في شيء.

الفَرقُ بين الحياة والرُّوح

الرُّوحُ soul من قَرائِن الحياة life (vita, biosis)؛ فالحياةُ عَرَضٌ والروحُ جِسْم رقيق من جِنس الريح، وقيل هو جسمٌ رقيق حسَّاس، ويزعم قُدامى الأطبَّاء أنَّ موضعَها في الصدر من الحِجاب والقلب. وذهب بعضُهم إلى أنَّها مبسوطةٌ في جميع البدن، وفيه خِلافٌ كثير. والرُّوحُ والرِّيحُ في العربية من أصلٍ واحد؛ ولهذا يُستعمَل فيه النفخُ، فيُقال نَفَخ فيه الروحَ. وقد سُمِّيَ جبريل عليه السَّلام روحاً، لأنَّ الناسَ ينتفعون به في دينهم كانتفاعهم بالروح، ولهذا المعنى سُمِّي القُرآن روحاً.

الفَرقُ بين الرُّوح والمُهجَة والنَّفس والذَّات

المُهجَةُ heart blood خالِصُ دم الإنسان الذي إذا خَرج خرجت روحُه، وهو دمُ القَلب في قَول الخليل والعرب تقول سالت مهجهم على رماحنا، ومُهْجَةُ كلِّ شيء أَحسنُه وخالِصُه. ولفظُ النَّفَس psyche مُشترَك يَقَع على الرُّوح soul وعلى الذَّات self، ويكون توكيداً، يُقال خرجت نفسُه أي روحه، وجاءني زيدٌ نفسُه بمعنى التوكيد. - لفظةُ النَّفْس psyche مُشتَركةٌ تقع على الرُّوح وعلى الذَّات self، وتكون توكيداً، حيث يُقال خرجت نفسُه أي روحه، وجاءنِي زيدٌ نفسُه بمعنى التَّوْكيد.

والذَّاتُ هي كيانُ الشيء، وقد تَدلُّ على ما فيه، كقولنا ذات أَضْراس وذات أرجُل؛ فالنَّفسُ هي المكنونُ الانفعالي والعاطِفي والشُّعوري أو الحسِّي للكائن، بينما الذاتُ هي كيانُه العام.

الفَرقُ بين الفَناء والنَّفاد

النَّفادُ depletion هو فَناءُ Demise آخر الشيء بعدَ فناء أوَّلِه؛ ولا يُستعمَل النفادُ فيما يفنى جملةً، ألا ترى أنَّك تقول فَناء العالم ولا يُقال نفاد العالم؛ ويُقال نفادُ الزَّاد ونَفاد الطعام لأنَّ ذلك يفنى شيئاً فشيئاً. وفَنَاءُ الإِنْسَان زَوَالُهُ وهَلاكُهُ.

الفَرقُ بين القوَّة والشدَّة

الشدَّةُ intensity في الأصل هي مبالغةٌ في وصف الشيء في صلابة، وليس هو من قَبيل القُدرة؛ ولهذا لا يُقال لله شَديد من دون إضافة. والقوَّةُ force (strength) من قَبيل القُدرَة على ما وصفناه وتأويل قوله تعالى: [أو لم يَرَوا أنََّ اللهَ الذي خَلقَهم هو أشدُّ منهم قوَّة]، أي أقوى منهم. وفي القرآن: [ذو القوَّة المتين]، أي العظيم الشَّأن في القوَّة.

الفَرقُ بين الشدَّة والجَلَد

الجَلَدُ صَلابةُ البدن، ومنه الجِلد لأنَّه أصلبُ من اللحم، والجِلدُ الصُّلبُ من الأرض. وقيل يتضمَّن الجَلَدُ معنى القوَّة والصبر.

الفَرقُ بين الشدَّة والصُّعوبَة

الشدَّةُ intensity في الأصل هي مبالغةٌ في وصف الشيء في صلابة، وليس هو من قَبيل القُدرة. والصعوبةُ difficulty تكون في الأفعال دون غيرها، تقول صعبَ عليَّ الأمر، يعني أنَّ فعلَه صَعبٌ عليك، ورَجلٌ صعب أي مَقاساته صعبة، وفيها معنى الغَلَبة لمن يزاولها، ومن ثمَّ سُمِّيَ الفحلُ الشديد الغلب مُصعباً؛ فالصُّعوبةُ أبلغُ من الشدَّة.

الفَرقُ بين القوَّة والمتانَة

المَتانةُ toughness (Durability) صَلابةٌ في ارتفاع، والمَتنُ من الأرض الصُّلبُ المرتفع، ومنه سُمِّيَ عَقب الظهر مَتناً، والصلابةُ rigidity (stiffness) قريبةٌ من ذلك. ولا تَجوز الصفةُ بالمتانة على الله، فأمَّا قولُه تعالى: [ذو القوَّة المتين]، فالمتينُ في أسمائه مبالغةٌ في الوصف بأنَّه قويٌّ، لأنَّ المتانةَ في الأصل نقيضةُ الرَّخاوة، فاستُعملت في نَقيض الضَّعف للمبالغة في صفة القوَّة.

الفَرقُ بين الشدَّة والصَّلابة

الصَّلابةُ stiffness هي التئامُ الأَجزاء بعضها إلى بعض من غير خَلَلٍ، مع يُبوسة فيها. والشدَّةُ intensity هي التزاقُ الأَجزاء بعضها ببعض، سواءٌ أكان الموصوف بها ملتئماً أم متحلِّلاً. والشدَّةُ مبالغةٌ في وَصف الشَّيء، واستعمالُها في مَوضِع الصَّلابة استعارةٌ.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
مُهذَّب الدِّين الدَّخوار

مُهذَّبُ الدِّين عبد الرَّحيم بن علي هو الشَّيخُ الإمام الصَّدر الكبير، العالِم الفاضِل مُهذَّب الدِّين أبو محمد عبد الرحيم بن علي بن حامِد، المَعروف بالدِّخوار. كان أوحدَ عصره، وفريدَ دهره، وعلاَّمةَ زمانه، وإليه انتهت رئاسةُ صناعة الطبِّ ومعرفتها على ما ينبغي، وتحقيق كُلِّياتها وجُزئيَّاتها. لم يكن في اجتهادِه من يُجاريه، ولا في عِلمه من يماثله، أتعبَ نفسَه في الاشتغال، وكدَّ خاطِرَه في تحصيل العلم حتَّى فاقَ أهلَ زمانه في صناعة الطبِّ، وحظيَ عند الملوك، ونال من جهتهم من المال والجاه ما لم ينله غيره من الأطباء إلى أن تُوفِّي. بهذه الكَلِمات بدأَ ابنُ أبِي أُصَيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء" حديثَه عن مُهذَّب الدِّين عبد الرَّحيم بن علي.

كانَ مَولِدُه ومنشؤه بدمشق، وكانَ أبوه عليُّ بن حامِد كَحَّالاً (طَبيب عيون) مَشهوراً، وكذلك كان أخوه وهو حامِد بن علي كحَّالاً. بَدأ الحَكيمُ مهذَّبُ الدين حياتَه الطبِّيَّة كَحَّالً، لكنَّه واظبَ على الاشتِغال والنَّسخ، وكتب كتباً كَثيرة بخطِّه، قاربت نحو مائة مُجلَّد أو أكثر في الطبِّ وغيره.

واشتغلَ مُهذَّبُ الدين بالعربيَّة على الشيخ تاج الدين الكندي أبي اليمن، ولم يزل مُجتَهِداً في تحصيل العُلوم ومُلازمة القراءة والحفظ حتَّى في أوقات خدمته وهو في سنِّ الكهولة؛ وكان في أوَّل اشتغاله بصناعة الطبِّ قد قرأ شيئاً من كتاب "الملكِّي في الصناعة الطبِّية" لعلي بن عبَّاس الأهوازي على الشَّيخ رضي الدِّين الرحبِي، ثمَّ بعدَ ذلك لازمَ مُوفَّق الدِّين بن المطران وتتلمذ له، واشتغل عليه بصناعة الطبِّ، ولم يزل مُلازماً له في أسفاره وحضره إلى أن تَميَّز ومَهَر.

كما اشتغلَ بعدَ ذلك أيضاً على فخر الدِّين المارديني لما وردَ إلى دمشق بشيءٍ من القانون لابن سينا، وكان فخرالدين المارديني كثيرَ الدِّراية بهذا الكتاب والتَّحقيق لمعانيه. وخدمَ الحكيم مهذَّبُ الدين الملكَ العادِل أبا بكر بن أيُّوب بصناعة الطب. كما خدمَ بها في البيمارستان الكبير الذي أنشأه ووقفه الملكُ العادِل نورُ الدِّين محمود بن زنكي.

وقد عُرفَ مُهذَّب الدين الدَّخوار اعترافُه وإقراره بفضل الآخرين، بصرف النَّظر عن عَقائِدهم ومَذاهبهم، حيث نُقِل عنه أنَّه قال "إنَّني لم أجد أحداً من الأطبَّاء النَّصارى المتقدِّمين والمتأخِّرين أفصحَ عبارةً ولا أجود لفظاً ولا أحسنَ معنى من كلام أبِي سهل المسيحي" وقيل إنَّ المسيحي هو معلِّم الشَّيخ الرَّئيس ابن سينا صِناعةَ الطبِّ".

كانَ الحكيمُ مهذَّبُ الدين يُظهِر من ملح صناعة الطبِّ، ومن غَرائِب المداواة والتقصِّي في المعالجة والإقدام بصِفات الأدوية التي تبرئ في أسرع وقت، ما يفوق به أهلَ زمانه، ويحصل من تأثيرها شيءٌ كأنَّه سِحر. ومن ذلك أنَّه - مثلما يذكر ابنُ أبي أُصَيبعة - أتى مَحموماً بحمَّى شَديدة فأمر بأن يُترَكَ له في قدح بزورٌ من الكافور، مقداراً صالِحاً عيَّنه لهم، وأن يشربَه ولا يتناول شيئاً غيره؛ فلما جاء الغدُ وُجِد ذلك المريض والحمَّى قد انحطَّت عنه؛ ومثلُ هذا أيضاً أنَّه وصفَ لمن به المرض المسمَّى مانيا (الهَوَس) mania، وهو الجنونُ السَّبعي، أن يُضافَ إلى ماء الشَّعير في وقت إِسقائه إيَّاه مقدارٌ متوفِّر من الأَفيون (مادَّة مهدِّئة)، فصلحَ ذلك الرجلُ وزالَ ما به من تلك الحال.

كان الشيخُ مهذَّبُ الدِّين، إذا تفرَّغَ من البيمارستان، وافتقدَ المرضى في أعيان الدَّولة وأكابرها وغيرهم، يأتِي إلى داره، ثمَّ يشرعُ في القراءة والدَّرس والمطالعة والنَّسخ؛ فإذا فرغَ منه، أَذِن للجماعة فيدخلون إليه ويأتي قومٌ بعدَ قوم من الأطبَّاء والمشتغلين، وكان يقرأ كلُّ واحد منهم درسَه، ويبحث معه فيه، ويُفهِمه إيَّاه بقدر طاقته، ويبحث في ذلك مع المتميِّزين منهم إن كان الموضعُ يحتاج إلى فضلِ بحث، أو فيه إشكال يحتاج إلى تحرير، وكان لا يُقرِئ أحداً إلاَّ وبيده نسخةٌ من ذلك الكتاب يقرأه ذلك التَّلميذُ، وينظر فيه ويقابل به، فإن كان في نسخة الذي يقرأ غلطٌ أمرَه بإصلاحه؛ وكانت نُسَخُ الشَّيخ مهذَّب الدين التي تُقرَأ عليه في غاية الصحَّة، وكان أكثرُها بخطِّه، وكان أبداً لا يفارقه إلى جانبه مع ما يحتاج إليه من الكتب الطبِّية ومن كتب اللغة، مثل كتاب الصِّحاح للجَوهَري والمُجمَل لابن فارس وكتاب النَّبات لأبي حنيفة الدَّينوري.

ثمَّ عرضَ له ثقلٌ في لسانه واسترخاءٌ، فبقي لا يسترسِل في الكلام، ووصلَ إلى دمشق لما ملكها الملك الأَشرف وهو معه، فولاَّه رئاسةَ الطبِّ، وبقي كذلك مديدة، وجعلَ له مجلساً لتدريس صناعة الطبِّ؛ ثمَّ زادَ به ثقلُ لسانه حتَّى بقي إذا حاولَ الكلامَ لا يُفهَم ذلك منه إلاَّ بعُسر. وكانت الجماعةُ تبحث قُدَّامَه، فإذا استَعصى معنى يجيب عنه بأيسر لفظ يدلُّ على كثير من المعنى؛ ثمَّ اجتهد في مداواة نفسه، واستفرغ بدنَه بعدَّة أدوية مسهلة، وكان يتناول كثيراً من الأدوية والمعاجين الحارَّة، ويغتذي بمثلها، فعرضت له حُمَّى وتزايدت به حتَّى ضعفت قوَّته، وتوالت عليه أمراضٌ كثيرة.

وكانت وفاتُه في اللَّيلة التي صبيحتها يوم الاثنين الخامِس عشر من صفر، سنةَ ثمانٍ وعشرين وستِّمائة. ودُفِن بجبل قاسيون، ولم يَتَزوَّج ولم يخلِّف ولداً.

وقفَ الشَّيخُ مُهذَّب الدين عبد الرحيم دارَه، وهي بدمشق عند الصاغة العتيقة، مدرسةً يُدرَّسُ فيها من بعده صناعةُ الطبِّ، ووقف لها ضِياعاً وعدَّة أماكن يُستغلُّ ما ينصرف في مصالحها، ووصَّى أن يكونَ المدرِّسُ فيها الحكيمُ شرفُ الدين علي بن الرَّحبي. وكانت هذه الدَّارُ مدرسةً لطلاَّب الطبِّ والمدرِّسين والموظَّفين، وجعل لكلٍّ واحدٍ منهم راتباً. ولا تزالُ هذه المدرسة، التي تُعرَف باسم المدرسة الطبِّية الدِّخوارية، أوَّلَ مدرسةٍ طبِّية بدمشق.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
من شعر مهذَّب الدِّين عبد الرحيم بن علي، قال وكتبَ به إلى الحكيم رَشيد الدين علي بن خليفة في مرضةٍ مَرِضها:

يا مـن أُؤمِّله لكلِّ مَلمَّةٍ وأخاف ... إن حـدثت له أعراضُ

حُوشِيت من مرضٍ تُعاد لأجله ... وبَقِيت ما بَقِيت لنا أَعراضُ

إنَّا نَعُدَّك جَوهراً فـي عصرنا ... وسواك إِن عُدُّوا فَهُم أَعراضُ

ولِمُهذَّب الدِّين عبد الرَّحيم العَديدُ من الكُتُب الطبِّية وغير الطبِّية، منها:
اختِصار كتاب الحاوي في الطبِّ للرازي.
كتاب ما يقع في الأدوية المفردة من التَّصحيف.
مقالَة في الاستفراغ.
كتاب الجنينة في الطبِّ.
تَعليقات ومسائل في الطبِّ وشُكوك طبِّية والأجوبةَ عنها.
كِتاب الرد على شَرح ابن صادِق لمسائل حنين، مقالةٌ يردُّ فيها على رسالة أبي الحجاج يُوسِف في تَرتيب الأغذية اللطيفَة والكثيفة في تناولها.

ولا تَزالُ مُؤلَّفاتُ الدَّخوار جَميعاً مَخطوطاتٍ لم تمتدَّ إليها يدُّ المُحقِّقين والدَّارسين حتَّى اليَوم.

Introduction
Symptoms
Causes
Diagnosis
Treatment
Complications
Prevention


صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
موفق الدين عبد اللطيف البغدادي

557 هـ/1161 م ـ 629 هـ/ 123 1 م

هو مُوفَّقُ الدِّين عبدُ اللَّطيف بن يُوسُف بن مُحمَّد المَعروف بالبَغدادي، والملقَّب بابن اللبَّاد وابن نقطَة؛ من فَلاسفة الإسلام، وأحدُ العُلَماء المُكثِرين من التَّصنيف في الحِكمَة وعلم النَّفس والطبِّ والنَّبات والدَّواء والتَّاريخ والبلدان والأدب. كانَ دَميم الخِلقَة، قليلَ لحم الوَجه، قويَّ الحافِظَة، مُتَحلِّياً بالفَضائل، مَليحَ العِبارة.

وُلِد مُوفَّقُ الدِّين عبدُ اللَّطيف في بغداد ونُسبَ إليها ودَرسَ فيها، في كَنف أسرةٍ اشتُهرَ معظمُ رِجالها بعلوم الفِقه والحَديث والتَّفسير والأُصول، كانَ أبرزُهم والدُه يُوسُف الذي دفعَه إلى مَجالِس شُيُوخ بغداد كي يتلقَّى علومَه الأولى؛ ثم انتقلَ إلى المَوصِل، حيث التَقى الكَمالَ بن يُونس الكيميائي الشَّهير والشِّهابَ السَّهْرُوَرْديَّ، ومنها تَوجَّـه إلـى

حَلب، ثمَّ إلى دِمشق حيث اجتمعَ بشيُوخِها وعُلَمائها، وألَّفَ فيها بعضُ كُتُبه، ثمَّ انتقلَ إلى القُدس حيث قابلَ السُّلطانَ صَلاح الدِّين الأيُّوبِي الذي كان قد حرَّرَ بيتَ المقدس من أيدي الصَّليبيين وذلك سنةَ 588 هـ (يقول في ذلك: "... وتَوجَّهتُ إلى القُدس، فرأيتُه عَظيماً يملأ العينَ روعةً، والقلوبَ مَحبَّةً، قَريباً بَعيداً، سَهلاً مُحبَّباً، وأصحابُه يَتشبَّهون به ... وأوَّلُ ليلٍ حضرتُه، وجدتُ مَجلساً حَفلاً بأهل العلم، يَتَذاكرون في أصناف العُلوم، وهو يُحسِن الاستماعَ والمشاركة، ويأخذ في كيفيَّة بناء الأسوار وحفر الخنادق ...)؛ ثمَّ انتقلَ منها إلى دمشق التي درَّس فيها الطبَّ، ومارسَه في ظلِّ الملك الأفضل أكبر أولاد صَلاح الدين الأيُّوبِي، ثمَّ عاد بعدَها إلى القاهرة حيث كان يُدرِّس في الجامع الأزهر، وفي هذه المدَّة شهدَ المجاعةَ الكُبرى والأوبئةَ التي حَلَّت بمصر، فكتب كتابَه الشَّهير "الإفادة والاعتبار" وذلك سنةَ 600 هـ، ثمَّ عادَ إلى دمشق، وبقيَ فيها قُرابةَ عشر سنين، انتقل منها إلى حلب سنة 615 هـ، ومن هناك قصدَ بلادَ الروم، وكان في خدمة مَلكها علاء الدين بهرام صاحِب أذربيجان، كما زار عدداً من مُدن الأناضول وأرمينيَّة، وقفلَ بعدَها عائِداً إلى حلبَ، واستقرَّ فيها يُدرِّس الطبَّ والحديث والعربيَّة في جامِعها الأموي الكَبير.

أَخذَ مُوفَّقُ الدِّين دروسَه الأولى في مَجلِس كمال الدِّين عبد الرحمن الأَنباري، وعُرف منذ صِغره بشَغفه بالمطالعة والبَحث والحِفظ، فحفظَ - كما يقول عن نفسه - كتابَ "المُقتَضَب" للمبرِّد أبي العباس البصري، و "أدب الكاتب" لابن قُتَيبة. ثم انصرفَ إلى دراسة الفلسفة ومطالعَة كتب أرسطوطاليس وأفلاطون وعُلَماء الكلام؛ فدرس كتابَ "مَقاصِد الفَلاسفة" و "ميزان العمل" وغيرهما للإمام الغزالي. ووقفَ على كِتاب "النَّجاة" لابن سينا، ونسخَ له كتابِ "الشِّفاء" بخطِّ يَده. يقول مُوفَّقُ الدِّين عن نفسه: "وتربَّيتُ في حجر أبِي النَّجيب، لا أعرفُ اللعبَ واللهوَ، وأَكثرُ زَمانِي مَصروفٌ في سَماع الحديث، وأخذتُ لي إجازاتٍ من شُيُوخ بَغداد وخُرَاسان والشَّام ومِصَر".

لقد اِستهَوت مُوفَّقُ الدِّين دراسةَ الكيمياء، فطَلَبها في كُتُب جابر بن حيان وابن سينا، ولكنَّه سرعان ما سَئِم من طَلاسِمها ومن كتبَ فيها، وانقلَبَ عليها.

تَعمَّق البَغداديُّ في دراسَة النَّبات لعَلاقته بصناعة الدَّواء؛ كما درسَ كتبَ ابن وافد وأبِي حَنيفة الدَّينوري في هذا العِلم، واختصرَهُما، إضافةً إلى دراسته لكتاب ديسقوريدس Dioscorides في "الحَشائِش".

ولكن، كانت صناعةُ الطبِّ ودراستُه وتَدريسُه هوايتَه المفضَّلة التي انصرفَ البَغداديُّ بكلِّ جَوارِحه وجَهده إلى إتقانها، والبحث في كُتُب مَشاهيرها المعاصِرين له أو الذين تَقدَّموه كابن سينا، مع أنَّه انتقدَ بعضَ مُعالجاته وأفكاره بشدَّة أحياناً؛ حيث يَقولُ مُوفَّقُ الدِّين البَغداديُّ: "ثمَّ انتقلتُ إلى كتب ابن سينا، صِغارِها وكِبارِها، وحفظتُ كتابَ النَّجاة، وكتبتُ الشِّفاء وبَحثتُ فيه ...".

لقد جعلَ عبدُ اللَّطيف البَغداديُّ التَّشريحَ ضَرورةً من ضَروراتِ صناعة الطبِّ ودراسته ومُزاولته، وألحَّ في الاعتماد عليه في المعالجَة والوُصول إلى اليَقين؛ فقد صَحَّحَ بعضَ أخطاء جالينوس ومن بَعدَه في التَّشريح، وخاصَّة في وصفهم عظمَ الفكِّ السُّفلي، ممَّا يدلُّ على عِلمِه في التَّشريح. ومن كُتبِه الطبِّية:
شَرح الخطب النَّباتية.
شَرح أربعين حَديثاً طبِّية (شَرح أَحاديث ابن ماجَة المتعلِّقة بالطبِّ).
اختِصار كتاب النَّبات لأبي حَنيفة الدَّينوري.
كتاب الفُصول، وهو بلغة الحَكيم سبع مقالات.
مَقالة في حَقيقة الدَّواء والغِذاء.
مَقالة في شفاء الضدِّ بالضد.
الأدوية المفردة.
الترياق (فُصول مُنتَزعة من كَلام الحُكَماء، حلَّ فيها شيئاً من شُكوك الرَّازي على كُتُب جالينوس).
شرحُ كتاب الفُصول لأبقراط.
شرح جالينوس لكتب الأمراض الحادَّة لأبقراط.
اختِصار كتاب المني.
اختِصار كتاب آلات التنفُّس وأَفعالها (ستُّ مقالات)
مقالةٌ في قِسمة الحُمَّيات وما يتقوَّم به كلُّ واحدٍ منها وكيفيَّة تَولُّدها.
اختِصار كتاب العَضَل.
كتاب النُّخبة، وهو خُلاصةُ الأمراض الحادَّة.

يُعدُّ البَغداديُّ أوَّلَ طَبيبٍ عربِي تَنبَّه إلى مَرَض السكَّري diabetes mellitus، وشخَّص أعراضَه السَّريرية، ولخَّصها باسِترسال البول وذربه، والعطش الدَّائم الشَّديد بسب كثرة التبوُّل وانطراح الماء الذي يردُ إلى الكلية دون الاستفادة منه، يقول: "وتُسمَّى هذه العلَّةُ ديابيطا ومعناه عَبَّارة الماء ..." والدَّيابيطا أو الدَّيابيطس كلمةٌ إغريقية أطلقها اليونان على داء السكَّري، كما يقول: "إنَّ هُزالَ البَدن وجفوفه من علامات هذا الدَّاء»؛ ثم يصف البغداديُّ معالجتَه التي تقوم على الحمية والتَّغذية المقنَّنة والراحة والهدوء النَّفسي.

كما أنَّ البَغدادي هو أوَّلُ من قال إنَّ الفكَّ السُّفلي هو قطعةٌ واحدة لا دَرزَ فيها، مُخالِفاً في ذلك رأيَ جالينوس وابن سينا، وذلك بعد التَّجارُب الكثيرة التي قام بها، حيث يقول في كتابه "الإفادة والاعتبار": "إلاَّ أنَّنا شاهدنا أُلوفاً من العِظام والهياكل، وقُمنا بفحصها بدقَّة مُتَناهية"، ثمَّ يقول: "وكانَ جالينوس قد عَلَّمنا بأنَّ الفكَّ الأسفل يتألَّف من عظمين، يجمع بينهما نسيجٌ ضام، غير أنَّنا عاينَّا ألفي عظم، ولم نجد فيها فكاً واحِداً مؤلَّفاً من عظمين ... إنَّه عظمٌ واحد دون أيِّ رَفو".

ضاعَت أكثرُ مؤلَّفات البَغدادي بسبب الكَوارث والحروب والهجمات المغوليَّة والصَّليبية التي تعرَّضت لها بلادُ العَرب والإسلام؛ فبعضُها أُحرِق، وبعضُها سُلِب ونُقِل إلى مكتبات بلاد المهاجمين، واندثرَت بسبب ذلك معظمُ الثَّروة الفكريَّة العربيَّة والإسلاميَّة. وما بَقِي من كتب البغدادي ذكرُه ابنُ أبِي أصيبعة في كتابِه "عُيُون الأنباء في طبقات الأطبَّاء»، مثل مقالةٍ في الحواس ومُدرَكاتها ومراتبها ونَسب بعضِها إلى بعض، "مقالة في الدِّيابيطس (داء السكَّري) والأدوية النافعة فيه"، "مقالة في ميزان الأدوية المركَّبة من جهة المركَّبات"، كتاب "الكفاية في التَّشريح"، كتاب "انتِزاعات في منافع الحشائش" ... إلخ.

وعَزمَ البَغداديُّ في أَواخِر حَياته أن يؤدِّي فريضةَ الحجِّ، وجعل طريقَه من بغداد لكي يُهدي بعضَ مؤلَّفاته للخليفة المستنصِر بالله، فمرضَ أثناء ذلك بمرضٍ عُضال، ووافته المنيَّةُ فيها ثالِثَ أيَّام عيد الأضحى المبارك سنة 629 هـ عن 72 عاماً. وترك وراءَه ثروةً علميَّة كبيرة بلغت أكثر من 150 كتاباً في الطبِّ والفقه والفلسفة والمنطق والتاريخ واللغة والأدب والعلوم الأساسية وغيرها.

كان البَغداديُّ حَكيماً، موفَّقَ العبارَة، سَديد النَّصيحة، ومن أَقوالِه التي يجدر الوقوفَ عندها:

- ... ولا تظنَّ أنَّك إذا حَصَّلت علماً، فقد اكتفيتَ، بل تَحتاج إلى مُراعاته لينموَ ولا يَنقُص؛ ومراعاتُه تكون بالمُذاكَرة والتفكُّر، واشتغال المبتدئ بالتلفُّظ والتعلُّم، ومُباحثة الأقران، واشتِغال العالِم بالتَّعليم والتَّصنيف ...

- وينبغي أن تكونَ سيرتُك سيرةَ الصَّدر الأوَّل، فاقرأ سيرةَ النَّبِي صلىَّ اللهُ عليه وسلَّم، وتَتبَّع أفعالَه وأحوالَه، واقتفِ آثارَه، وتَشبَّه به ما أمكنك وبقدر طاقتك؛ وإذا وقفتَ على سيرته في مَطعمِه ومَشربِه ومَلبسِه ومَنامِه ويَقظتِه وتَمرُّضه وتَطبُّبه وتَمتُّعه وتَطيُّبه، ومُعاملته مع ربِّه، ومع أَزواجه وأصحابِه وأَعدائه، وفعلتَ اليسيرَ من ذلك، فأنتَ السَّعيد كل السَّعيد.

- ومن لم يَحتمِل ألمَ التعلُّمَ لم يَذُق لَذَّةَ العِلم، ومن لم يَكدح لم يُفلِح، وإذا خلوتَ من التعلُّم والتفكُّر، فحرِّك لسانَك بذكر اللّه وبتَسابيحه، وخاصَّة عندَ النَّوم، فيَتشرَّبه لُبُّك، ويَتعجَّن في خَيالك، وتُكلِّم به في منامك.

- واجعلَ الموتَ نُصبَ عَينِك، والعلمَ والتُّقى زادَك إلى الآخرة؛ وإذا أردت أن تعصيَ اللَّهَ، فاطلبْ مَكاناً لا يراك فيه؛ واعلم أنَّ الناسَ عيونُ اللَّه على العبد، يُريهم خيرَه وإن أخفاه، وشرَّه وإن سترَه.

- لا أقول إنَّ الدُّنيا تُعرِض عن طالب العلم، بل هو الذي يُعرِض عنها، لأنَّ هِمَّتَه مَصروفةٌ إلى العلم، فلا يبقى له التفاتٌ إلى الدُّنيا، والدُّنيا إنَّما تحصل بحرصٍ وفكر في وجوهها؛ فإذا غَفلَ عن أسبابها لم تأتِه، ... وتَطلبُه من غير أن يطلبَها ... ومن جدَّ في طلبِ العُلوم أَفاتَه شرفُ العلوم دناءةَ التَّحصيل

- واعلم أنَّ العلومَ تَغور ثمَّ تفور في زمان، بمنـزلة النَّبات أو عيون المياه، وتنتقل من قومٍ إلى قوم ومن صقعٍ إلى صقع.

اللهمَّ أَعِذنا من شُموس الطَّبيعة وجموع النَّفس الرديَّة، اللهمَّ أسلسَ لنا مَقادَ التَّوفيق، وخُذ بِنا في سَواء الطَّريق ... سُبحان من عمَّ بحكمته الوُجودَ، واستحقَّ بكلِّ وجهٍ أن يكونَ هو المعبود ... تَلألأت بنُور جَلالك الآفاقُ، وأشرقت شَمسُ مَعرفتك على النُّفوس إِشراقاً، وأيَّ إِشراق.

صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
نظرة العرب إلى انسداد الأمعاء

تكلَّم أطبَّاءُ العرب القُدامى عن انسداد الأمعاء Intestinal Obstruction تحت اسم إيلاوس أو العِلَّوص Ileus، فقالوا عنه إنَّه إصابةٌ خطيرة جداً ومُهلِكة، قلَّ من يسلم منها، وأطلقَ عليه أبُقراط اسم "القولنج المستَعاذ منه" (ابن سينا ـ القانون).

وخاصِّيتُه شَديدة الأعراض، يعودُ فيها الزبلُ (وهو الغائط) من الفم، والفرقُ بين هذه العلَّة وبين القولنج أنَّ القولنجَ يعرض في الأمعاء الغِلاظ، وهذه تَعرض في الأمعاء الدِّقاق، وعلاماتُه مثل علامات القولنج، إلاَّ أنَّها أشدُّ وأعظم.

يقولُ ابنُ سينا: "علامات إيلاوس أن يكونَ الوجعُ فيه فوقَ السرة، ولا يخرج شيءٌ البتَّة من تحت، ولا ينتفع بالحقنة كثيرَ انتفاع - كما قال أبقراط - وربَّما اندفع ثفلُه إلى فوق فقاءَ الزبلَ والدُّود وحبَّ القرع، وأنتَن فمُه وجُشاؤه، بل ربَّما أنتَنَ جميعُ بدنه ... ويعرض له الكربُ، والغمُّ، والخفقان والغشي والسهر وبرد الأطراف" (ابن سينا ـ القانون).

والرَّازي الذي يدعوه "القولنج الرديء" يقول فيه: "أمَّا في القولنج الرديء، وهو الذي يشتدُّ فيه القيء جداً، فلا يخرج من أسفل شيءٌ البتَّة، وربَّما كان الجشأ معه نتنٌ، وربَّما خرج الزبل من الفم. وهذا يقتل في أكثر الأمر" (الرَّازي ـ المنصوري في الطب).

وابنُ رُشد يقول عنه في الكلِّيات: "والنوعُ من القولنج الشَّديد المسمَّى عندَ القدماء "إيلاوش" ومعناه (ربِّ سلِّم) هو ما كان منه ذا أعراض صعبة، حتَّى يبلغَ بصاحبه أن يتقيَّأ الزبل" (ابن رُشد ـ الكُلِّيات).
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
نظرة قدامى الأطباء العرب والمسلمين إلى الأمراض النفسية

هي الأمراضُ التي تَتَظاهر باضطراباتٍ في النَّفس والسُّلوك، ومنها اختلالُ العقل (الجنون Insanity) والهَذَيان Onirism والهَوَس (المانيا Mania) والسَّوداوية (المالينخوليا
Melancholia) والوَسواس Obsession.

وأضافوا إليها مرضَ العِشق Love Sickness الذي عَدُّوه، في بعض الحالات، مَرَضاً نفسياً.

كان يُنظَر إلى الأمراض العقلية أو النفسيَّة، منذ أقدم الأزمنة، على أنَّها أفعالُ الجنِّ التي تتلبَّس المرضىَ العقليين. ولذا كانت معالجتُها تعتمد على السِّحر والرقى والتَّعاويذ.

أمَّا معالجةُ اختلال العقل (الجنون) فكانت تَقومُ على تَعذيب المريض وضَربه وتَجويعه، وتقييده بالسَّلاسل وعزله عن المجتمع، للتخلُّص من الجنِّي المتلبِّس به. وبهذه الوسائل، يخرج الجنِّي من رأس المريض، ويولِّي هارباً من تلك المعاملة القاسية.

إلاَّ أنَّ الأطبَّاء العرب والمسلمين صحَّحوا هذه المفاهيمَ وعَدُّوا الأمراضَ العقليَّة اضطراباتٍ عضويةً، مثلها مثل باقي الأمراض التي تَعتَري َأعضاء الجسم؛ وهي، في هذه الحالة، إصابات عضوية تطرأ على الدِّماغ.

ولذلك، راحوا يُعالِجونها بالأدوية المهدِّئة، والراحة المطلقة، والرِّياضة المنشِّطة، والموسيقا، والغناء، والمعاملة الإنسانيَّة الرَّحيمة. كما كانوا يُخصِّصون للمرضى المهتاجين حجراتٍ خاصَّةً في المستشفيات تتوفَّر فيها أسبابُ الرَّاحة والهدوء والطُّمأنينة، ويشرف عليها أطبَّاء رحماء وممرِّضون وخدم متدرِّبون.

وقد بَرَعَ الأطبَّاءُ العرب في بحث الاضطرابات التي تطرأ على العقل، وأَجادوا في وصف أعراضها وعلاماتِها.

وقد أَدركَ الأطبَّاءُ المُسلِمون أهمِّيةَ الرِّعاية الصحِّية والنَّفسية والاجتماعيَّة للمريض، فكانت دورُ الرِّعاية النَّفسية منتشرةً في كلٍّ من دمشق وبغداد والأندلس، وكانَ العلاجُ بالعمل والموسيقى من الأساليب العلاجيَّة الشَّائعة في هذه الأماكن التي كان يُطلَق عليها تسمية البيمارستانات، وكانت تَهدفُ إلى إعادة الاستقرار والتَّوازُن للمرضى نفسياً.

ويبدو أنَّ الطَّبيبَ الفَرنسي المُسمَّى "أبو الطبِّ النَّفسي الحديث" بينيل Pinel (1745-1820 م) قد كانَ مطَّلعاً ومتأثِّراً بأساليب الرِّعاية والعلاج التي كانت متَّبعةً في العالم الإسلامي؛ ففي إحدى كتاباته العائِدَة إلى عام 1819 م، أشارَ إلى أنَّه في عام 1425 م جرى في مدينة سَرَقُسطَة الإسبانيَّة إنشاءُ مِصحَّة للأمراض العقليَّة تحت شِعار الصحَّة للجميع، وكانت هذه المصحَّةُ تتَّبع أسلوبَ المعالجة بواسطة العَمَل الزِّراعي. وكانت مثلُ هذه المصحَّات منتشرةً في أنحاء عديدة من الأندلس.

كما كانت لقُدامى الأطبَّاء العرب والمسلمين لهم دِرايةٌ وخبرة في معالجةِ هذه الأمراض وإنقاذ المصابين بها بالوسائل السَّالفة الذِّكر، وبما نسمِّيه اليومَ "التَّحلي النَّفسي psychoanalysis".

ومن ذلك ما رُوِيَ عن ابن سينا الذي عالَج مَريضاً كان يَعتقِد بأنَّه "بقرة"، "وكان يطلب من ذويه بإلحاح أن يَذبَحوه، فانقطعَ عن الأكل لأنَّهم رفضوا أن يفعلوا ذلك، فضعف كثيراً وأقلقَ الأهلَ والجيران بِخُواره وصُراخه. وطلب أهلُه أن يتولَّى ابنُ سينا أمرَه، فأرسل إليه من يخبره بأنَّه قادمٌ ليذبحه استجابةً لطلبه. ولمَّا حضرَ ابنُ سينا وفي يده السكِّين، أمرَ بربط يدي المريض ورجليه، وطَرحَه على الأرض ليذبحه. ولمَّا همَّ ابنُ سينا بالذَّبح، جَسَّ عضلاتِ المريض جسَّاً دقيقاً، ثمَّ التفتَ إلى أهله وقال لهم بصوتٍ جَهُوري: إنَّ هذه البقرةَ ضعيفةٌ جداً، ويجب تَسمينُها قبلَ ذبحها؛ فأخذَ المريضُ من تلك الساعة يأكل بشهيةٍ زائدة ليسمن، فقَوِيَ جسمُه وتركَ وهمَه وشُفِي من مرضه شفاءً تاماً" (النظامي العروضي السَّمرقندي ـ جهار مقالة (ترجمة عزَّام والخشَّاب).

ومِمَّا يُروى أيضاً عن أبي البركات هبة الله علي بن ملكا: "أنَّ مَريضاً ببغداد كان قد عرضت له عِلَّةُ المالينخوليا، وكان يعتقد أنَّ على رأسه دَنَّاً وأنَّه لا يفارقه أبداً؛ فكان كلَّما مشى يتحايد المواضعَ التي سقوفُها قصيرة، ويمشي برفق، ولا يترك أحداً يدنو منه، حتَّى لا يميل الدَّنُّ أو يقع عن رأسه. وبقي في هذا المرض مدَّةً، وهو في شدَّةٍ منه. وعالجه جماعةٌ من الأطبَّاء ولم يحصل بمعالجتهم تأثيرٌ يَنتفِع به.

وأُنهِي أمرُه إلى أبِي البركات الذي عالَجه من وهمه بأن أمرَ غلاماً أن يضربَ بعصا من فوق رأس المريض، وأمرَ غلاماً آخر أن يرمي بذات الدَّقيقة دَنَّاً وراءَ هذا المريض.

فلمَّا عاينَ المريضُ ما فُعِل به، ورأى الدَّنَّ المنكسر، تأوَّه لكسرهم إيَّاه، ولم يشكَّ بأنَّه الذي كانَ على رأسه بزَعمِه، وأثَّر فيه الوَهمُ أَثَراً، وبَرِئ من عِلَّته تلك" (ابنُ أبِي أُصَيبِعَة ـ عُيُون الأنباء).

ولابن سينا طريقةٌ مَشهورة في تشخيص العِشق وعلاجه، وهي تشبه ما نسمِّيه اليومَ طريقةَ كشف الكذب.

يقول ابنُ سينا عن العشق: "هذا مرضٌ وَسواسي يُشبِه المالينخوليا، يكون الإنسانُ قد جلبه إلى نفسه ... فيتغيَّر نبضُه (ويقصد العاشِق) وحالُه عند ذكر المعشوق خاصَّة، وعند لقائه بغتةً، ويمكن من ذلك أن يُستدلَّ على المعشوق من هو إذا لم يتعرَّف به، فإنَّ معرفةَ المعشوق تسهل علاجَ المريض ... والحيلةُ في ذلك أن تذكرَ أسماء كثيرةً تُعاد مراراً وتكون اليدُ على نبضه، فإذا اختلفَ بذلك اختلافاً عظيماً وصار شبهَ المنقطع، ثمَّ عاود، وجرَّبت ذلك مراراً علمت أنَّه اسمُ المعشوق. ثمَّ تَذكر كذلك السككَ والمساكِن والحِرَف والصِّناعات والنسب والبلدان، وتضيف كلاًّ منها إلى اسم المعشوق ويَحفَظ النبضَ حتَّى إذا كاد يتغيَّر عند ذكر شيء واحد مراراً، جَمعتَ من ذلك خواصَّ معشوقه من الاسم والمحلَّة والحرفة وعرفته؛ فإنَّا قد جرَّبنا هذا واستخرجنا به ما كان في الوقوف عليه منفعةٌ. ثم إن لم تجد علاجاً إلاَّ تدبير الجمع بينهما على وجه يحلُّه الدين والشريعة فعلتَ" (ابنُ سينا ـ القانون).
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
نظرية الأخلاط عند قدامى الأطبَّاء


لقد تَصوَّر القدماءُ، من اليونان والعرب، أنَّ أكبرَ عملية تحدث في الجسم هي تحويل المواد الموجودة في الأغذية التي يتناولها الإنسانُ إلى موادَّ حيويةٍ تصلح لتغذية أعضائه وأنسجته.

تبدأ عمليةُ تحويل الغذاء بهضم الأغذية في المعدة والأمعاء، فتصعد الأبخرةُ إلى أعلى، ويهبط الثفل إلى أسفل، وما يصلح لتغذية الأعضاء يُدعى الكيموسChyle ، حيث تنقله العروقُ إلى الكبد الذي يحوِّل جزءاً منه إلى دم، وجزءاً آخر إلى صَفراء (أو المرَّة الصفراء)، كما ينتقل جزءٌ آخر منه إلى الطِّحال الذي يحوِّله إلى السَّوداء (أو المرَّة السوداء)، وجزءٌ إلى المعدة والرئة فيتحوَّل إلى بلغم.

وهذه هي الأخلاطُ humors الأربعة: الدم، والمرَّة الصفراء، والمرَّة السوداء، والبلغم، التي توجد في جسم الإنسان.

ولكل خِلط من هذه الأخلاط طبيعةٌ:

فخلطُ الدم حارٌّ ورطب، وخلطُ البلغم باردٌ ورطب، وخلطُ المرَّة الصفراء حارٌّ وجاف، وخلطُ المرَّة السوداء باردٌ وجاف.

والأخلاطُ إمَّا أن تكونَ جيِّدة، وإمَّا أن تكونَ رديئة:

فالجيِّدةُ هي التي تكون ضروريةً للجسم، وتصبح جزءاً منه؛ والرديئةُ هي التي تبقى بلا فائدة، ويفرزها الجسمُ إلى الخارج، ويتخلَّص منها بواسطة الغائط والبول والمفرزات الأنفية والجلدية وغيرها ... إلخ.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


تاريخ الطب العربي والإسلامى
نظرية الأمزجة في الطب القديم

المِزاجُ هو كَيفيَّةٌ حاصِلَة من تفاعل الكيفيَّات المتضادَّات إذا وَقفت على حدٍّ ما؛ فإذا تفاعلت بقواها بعضها في بعض، حدث عن جملتها كيفيةٌ متشابهة في جَميعها هي المزاجُ. والقوى الأوَّلية في الأركان المذكورة أربع هي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

إن اختلاط العناصر بعضها ببعض يؤلِّف الأمزجةَ temperaments؛ فإذا كان الاختلاط متساوياً ومتوازناً يصبح المزاجُ معتدلاً، ويكون الجسم في حالة الصحَّة. أمَّا إذا كان الاختلاطُ غيرَ متساوٍ، زيادة أو نقصاناً، عندئذٍ يختلُّ التوازن، ويحدث المرض.

والأمزجةُ كثيرةٌ ومتنوِّعة؛ فمنها البسيطة، وهي:

- المزاج الحار، ويكون فيه عنصرُ النار غالباً.

- المزاج البارد، ويكون فيه عنصرُ الماء غالباً.

- المزاج الرطب، ويكون فيه عنصرُ الهواء غالباً.

- المزاج الجاف، ويكون فيه عنصرُ التراب غالباً.

ومنها المركَّبة، وهي :

- المزاج الحار الرطب، ويُدعى المزاج الدموي.

- المزاج الحار الجاف، ويُدعى المزاج الصفراوي.

- المزاج البارد الرطب، ويُدعى المزاج البلغمي.

- المزاج البارد الجاف، ويُدعى المزاج السوداوي.

تختلف الأمزجةُ باختلاف الفصول والمناطق والأعضاء، وبحسب الأشخاص والأعمار. وهي، في حالة الصحَّة، متجانسة ومتوازنة؛ ولكن، حين يختلُّ تجانسها وتوازنها تحدث الأمراضُ.
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


لحم المعز

قليل الحرارة، يابس، وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس بجيد الهضم، ولا محمود الغذاء‏.‏ ولحم التيس رديء مطلقًا، شديد اليبس، عسر الانهضام، مولد للخلط السوداوي‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ قال لي فاضل من الأطباء‏:‏ يا أبا عثمان‏!‏ إياك ولحم المعز، فإنه يورث الغم، ويحرك السوداء، ويورث النسيان، ويفسد الدم، وهو والله يخبل الأولاد‏.‏

وقال بعض الأطباء‏:‏ إنما المذموم منه المسن، ولا سيما للمسنين، ولا رداءة فيه لمن اعتاده‏.‏ وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدلة للكيموس المحمود، وإناثه أنفع من ذكوره‏.‏

وقد روى النسائي في سننه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى فإنها من دواب الجنة‏)‏‏.‏ وفي ثبوت هذا الحديث نظر‏.‏ وحكم الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام، وهو بحسب المعدة الضعيفة، والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده، واعتادت المأكولات اللطيفة، وهؤلاء أهل الرفاهية من أهل المدن، وهم القليلون من الناس‏.‏

لحم الجدي‏:‏ قريب إلى الاعتدال، خاصة ما دام رضيعًا، ولم يكن قريب العهد بالولادة، وهو أسرع هضمًا لما فيه من قوة اللبن، ملين للطبع، موافق لأكثر الناس في أكثر الأحوال، وهو ألطف من لحم الجمل، والدم المتولد عنه معتدل‏.‏

لحم البقر‏:‏ بارد يابس، عسر الانهضام، بطيء الانحدار، يولد دمًا سوداويًا، لا يصلح إلا لأهل الكد والتعب الشديد، ويورث إدمانه الأمراض السوداوية، كالبهق والجرب، والقوباء والجذام، وداء الفيل، والسرطان، والوسواس، وحمى الربع، وكثير من الأورام، وهذا لمن لم يعتده، أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثوم والدارصيني، والزنجبيل ونحوه، وذكره أقل برودة، وأنثاه أقل يبسًا‏.‏ ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها، وهو حار رطب، وإذا انهضم غذى غذاء قويًا‏.‏
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


لحم الفرس

ثبت في الصحيح عن أسماء ـ رضي الله عنها ـ قالت‏:‏ نحرنا فرسًا فأكلناه على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ وثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه أذن في لحوم الخيل، ونهى عن لحوم الحمر أخرجاه في الصحيحين‏.‏

ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب ـ رضي الله عنه ـ أنه نهى عنه‏.‏ قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث‏.‏

واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكم لحومها بوجه من الوجوه، كما لا يدل على أن حكمها في السهم في الغنيمة حكم الفرس، والله سبحانه يقرن في الذكر بين المتماثلات تارة، وبين المختلفات، وبين المتضادات، وليس في قوله‏:‏ ‏{‏لتركبوها‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 8‏]‏، ما يمنع من أكلها، كما ليس فيه ما يمنع من غير الركوب من وجوه الانتفاع، وإنما نص على أجل منافعها، وهو الركوب، والحديثان في حلها صحيحان لا معارض لهما، وبعد‏:‏ فلحمها حار يابس، غليظ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة‏.‏
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


لحم الجمل

فرق ما بين الرافضة وأهل السنة، كما أنه أحد الفروق بين اليهود وأهل الإسلام، فاليهود والرافضة تذمه ولا تأكله، وقد علم بالإضطرار من دين الإسلام حله، وطالما أكله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه حضرًا وسفرًا‏.‏

ولحم الفصيل منه من ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غذاء، وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضأن لا يضرهم البتة، ولا يولد لهم داء، وإنما ذمه بعض الأطباء بالنسبة إلى أهل الرفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه، فإن فيه حرارة ويبسًا، وتوليدًا للسوداء، وهو عسر الإنهضام، وفيه قوة غير محمودة، لأجلها أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين لا معارض لهما، ولا يصح تأويلهما بغسل اليد، لأنه خلاف المعهود من الوضوء في كلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتفريقه بينه وبين لحم الغنم، فخير بين الوضوء وتركه منها، وحتم الوضوء من لحوم الإبل‏.‏ ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط، لحمل على ذلك في قوله‏:‏ ‏(‏من مس فرجه فليتوضأ‏)‏‏.‏

وأيضًا‏:‏ فإن آكلها قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه، فإن كان وضؤوه غسل يده، فهو عبث، وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه، ولا يصح معارضته بحديث‏:‏ ‏(‏كان آخر الأمرين من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترك الوضوء مما مست النار‏)‏‏.‏ لعدة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن هذا عام، والأمر بالوضوء، منها خاص‏.‏

الثاني‏:‏ أن الجهة مختلفة، فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل سواء كان نيئًا، أو مطبوخًا، أو قديدًا، ولا تأثير للنار في الوضوء وأما ترك الوضوء مما مست النار، ففيه بيان أن مس النار ليس بسبب للوضوء، فأين أحدهما من الآخر‏؟‏ هذا فيه إثبات سبب الوضوء، وهو كونه لحم إبل، وهذا فيه نفي لسبب الوضوء، وهو كونه ممسوس النار، فلا تعارض بينهما بوجه‏.‏

الثالث‏:‏ أن هذا ليس فيه حكاية ولفظ عام عن صاحب الشرع، وإنما هو إخبار عن واقعة فعل في أمرين، أحدهما‏:‏ متقدم على الآخر، كما جاء ذلك مباين في نفس الحديث، أنهم قربوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحمًا، فأكل، ثم حضرت الصلاة، فتوضأ فصلى، ثم قربوا إليه فأكل، ثم صلى، ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار، هكذا جاء الحديث، فاختصره الراوي لمكان الإستدلال، فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه، حتى لو كان لفظًا عامًا متأخرًا مقاومًا، لم يصلح للنسخ، ووجب تقديم الخاص عليه، وهذا في غاية الظهور‏.‏
صورة
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »


لحم الغزال

الغزال أصلح الصيد وأحمده لحمًا، وهو حار يابس، وقيل‏:‏ معتدل جدًا، نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة، وجيده الخشف‏.‏

لحم الظبي

حار يابس في الأولى، مجفف للبدن، صالح للأبدان الرطبة‏.‏ قال صاحب القانون ‏:‏ وأفضل لحوم الوحش لحم الظبي مع ميله إلى السوداوية‏.‏

لحم الأرانب

ثبت في الصحيحين ‏:‏ عن أنس بن مالك قال أنفجنا أرنبًا فسعوا في طلبها، فأخذوها، فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقبله‏.‏

لحم الأرنب

معتدل إلى الحرارة واليبوسة، وأطيبها وركها، وأحمده أكل لحمها مشويًا، وهو يعقل البطن، ويدر البول، ويفتت الحصى، وأكل رؤوسها ينفع من الرعشة‏.‏
صورة
أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى الطب و الصحة“