حــرف جـر

يهتم هذا القسم بكل المعلومات عن وطننا الحبيب .

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
ام اسامه
مشاركات: 1670
اشترك في: الأحد 2014.3.2 9:05 am
مكان: الخرطوم

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة ام اسامه »

طلال الحكيم كتب:دماء وتسالي

جلستُ برفقة أحد المعارف في المقعد الخلفي للعربة التي إنطلقت بنا عائدة من إحدى المناسبات ...

أخرج من جيبه جهاز موبايل كبير ذو شاشة عريضة من الطراز الحديث الذي لا أعرف إسمه ولا نوعه ..

ثم ألقى في فمه بعض (حبات التسالي) وأخذ (يقرقشها) وهو يتحدث معي حديثا مضمخ برائحة التسالي وأصابعه تروح وتجي فوق موبايله بمهارة وسرعة عجيبة ...
- شوفتا ناس داعش عملو شنو ؟
- عملو شنو؟
- ياخي ديل واقعين في الناس ضبح ساي ... هاك عاين هاك ..

تملكني الذعر فجأة ... فالمشاهد الدموية تزعجني وتعكر مزاجي ..فأبعدتُ موبايله عن وجهي بسرعة
- أشوف شنو يا زول .. زح جوالك ده مني

فأخذ يضحك وقشور التسالي تتراقص على شفتيه وهو (يقرقش) بشهية مفتوحة
- شوف ياخ ... المقطع كلو نص دقيقة
- بالله أبعد البتاع ده مني ..

ولكنه أصر و(ألح إلحاحا) إني أشوف .. ففتح مقطع الفيديو .. فصرت أختلس النظر إلى الشاشة الكبيرة الواضحة ..أحاول أن أدير عنها بصري ... ولكن الفضول يجذبني إلى تلك الشاشة المضيئة في عتمة الليل ..

بدأ المشهد برجل ملثما يرتدي الأسود الكامل يحمل سيفا .. وله زميل آخر على شاكلته وهما يُقعدان شاباً كثيف الشعر يداه مربوطة خلف ظهره يلبس (تي شيرت أزرق وبنطلون أبيض) يقعدانه على ركبتيه (بالقوة) وعيناه معصوبة بقطعة قماش
وصاحب السيف يرفع السيف بكلتا يديه فوق عنق الشاب ..

صحت وقد تحجرت نظراتي على الشاشة
- حيعملو ليهو شنو ؟
- حيقطعو رأسو طبعا ...
- لا ياخ
- شوف شوف
- لا ما بقطعو
- عاين عاين ..
- لا ممكن
وأنا بلا وعي أقول (لا) وكأنني أحاول أن أمنع السياف من أن يفعلها ..
ولكن... نزل السيف على الشاب وطار الراس بعيدا وجثم الصدر على الأرض عنقا بلا رأس ..
يا لهول المنظر ..
تجمدت الدماء في عروقي ... إنحبست أنفاسي ... ذُهلت عمن حولي ...
فأعادني إلى واقعي ... رائحة التسالي وضحكات رفيقي البارد ..
- شفت الراس ده طار كيف ... ياخي الناس ديل عجيبين ..

نظرت إليه وإلى قشور التسالي المتجددة والمتراقصة على شفتيه ... ولم يتحرك لساني ...فباغتني بمقطع ثاني ..

- هاك شوف ده ... ده كمان أغرب ..

وكان المقطع لرجل فجَّر نفسه وتقطعت أجزاء جسده إلى أشلاء .. لم يبق من جسده إلا ذراعه اليمين وصدره ورأسه فقط .. ولكنه - كان - مازال حيا ... والكاميرا تقترب منه ... وهو يتكلم ويقول لصاحب الكاميرا (لا تصوِّر) ...
كان منظرا بشعا ... جعلني أطيل الصمت قسراً ..

نزلت من تلك العربة شارد البال ... تباً لذاك الرفيق فقد أفسد علي ليلتي ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الصفحات الأولى لهذا البوست - وقبل ظهور داعش - تناولنا موضوع المناظر الدموية التي باتت تظهر يوميا في أخبارنا على شاشة التلفاز ... وآثارها سلبا على المُشاهد صغيرا كان أم كبيرا ...

ولكن اليوم صار الأمر في غاية الخطورة ... الدماء تجتاح العالم من كل ناحية ... قسوة القلوب تزداد في كل صباح ..

النفوس تغيرت تماما تماما ... حبات التسالي تتراقص على الشفاه ترافقها ضحكات باردة أمام رؤوس تطير وأجساد تتناثر ..

ضاعت الرقة والطيبة بين طيات العنف ... وأغرقت الدماء مافي البشر من إنسانية وقتلت الذوق السليم ...

صار اليوم الهادئ .. الأبيض اللون ... المُفتتح بالرياحين والياسمين ... والمنتهي بـ سيمفونية حُب .. غريباً شريداً طريداً ... وسط دوي الرصاص .. وبُقع الدم .. و سُود الأيام .

أصبح المشهد لا يحتاج إلى تلفاز ... فالدماء في جيوبنا .
جد الموضوع خطير حين نشاهد مشاهد القتل الانساني
في شاشات نحملها في جيوبنا ونشاهدها دون تأثر
هذه سياسة الكفر العالمية. ان نشاهد مناظر الدماء دون ان
يعنينا الامر
فدم العربي المسلم قد غدا رخيصا
حسبي الله ونعم الوكيل
صورة العضو الرمزية
مسلمة وافتخر
مشاركات: 9423
اشترك في: الخميس 2008.11.13 5:16 pm
مكان: حيث اكون نفسى

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة مسلمة وافتخر »

طلال الحكيم كتب:دماء وتسالي

جلستُ برفقة أحد المعارف في المقعد الخلفي للعربة التي إنطلقت بنا عائدة من إحدى المناسبات ...

أخرج من جيبه جهاز موبايل كبير ذو شاشة عريضة من الطراز الحديث الذي لا أعرف إسمه ولا نوعه ..

ثم ألقى في فمه بعض (حبات التسالي) وأخذ (يقرقشها) وهو يتحدث معي حديثا مضمخ برائحة التسالي وأصابعه تروح وتجي فوق موبايله بمهارة وسرعة عجيبة ...
- شوفتا ناس داعش عملو شنو ؟
- عملو شنو؟
- ياخي ديل واقعين في الناس ضبح ساي ... هاك عاين هاك ..

تملكني الذعر فجأة ... فالمشاهد الدموية تزعجني وتعكر مزاجي ..فأبعدتُ موبايله عن وجهي بسرعة
- أشوف شنو يا زول .. زح جوالك ده مني

فأخذ يضحك وقشور التسالي تتراقص على شفتيه وهو (يقرقش) بشهية مفتوحة
- شوف ياخ ... المقطع كلو نص دقيقة
- بالله أبعد البتاع ده مني ..

ولكنه أصر و(ألح إلحاحا) إني أشوف .. ففتح مقطع الفيديو .. فصرت أختلس النظر إلى الشاشة الكبيرة الواضحة ..أحاول أن أدير عنها بصري ... ولكن الفضول يجذبني إلى تلك الشاشة المضيئة في عتمة الليل ..

بدأ المشهد برجل ملثما يرتدي الأسود الكامل يحمل سيفا .. وله زميل آخر على شاكلته وهما يُقعدان شاباً كثيف الشعر يداه مربوطة خلف ظهره يلبس (تي شيرت أزرق وبنطلون أبيض) يقعدانه على ركبتيه (بالقوة) وعيناه معصوبة بقطعة قماش
وصاحب السيف يرفع السيف بكلتا يديه فوق عنق الشاب ..

صحت وقد تحجرت نظراتي على الشاشة
- حيعملو ليهو شنو ؟
- حيقطعو رأسو طبعا ...
- لا ياخ
- شوف شوف
- لا ما بقطعو
- عاين عاين ..
- لا ممكن
وأنا بلا وعي أقول (لا) وكأنني أحاول أن أمنع السياف من أن يفعلها ..
ولكن... نزل السيف على الشاب وطار الراس بعيدا وجثم الصدر على الأرض عنقا بلا رأس ..
يا لهول المنظر ..
تجمدت الدماء في عروقي ... إنحبست أنفاسي ... ذُهلت عمن حولي ...
فأعادني إلى واقعي ... رائحة التسالي وضحكات رفيقي البارد ..
- شفت الراس ده طار كيف ... ياخي الناس ديل عجيبين ..

نظرت إليه وإلى قشور التسالي المتجددة والمتراقصة على شفتيه ... ولم يتحرك لساني ...فباغتني بمقطع ثاني ..

- هاك شوف ده ... ده كمان أغرب ..

وكان المقطع لرجل فجَّر نفسه وتقطعت أجزاء جسده إلى أشلاء .. لم يبق من جسده إلا ذراعه اليمين وصدره ورأسه فقط .. ولكنه - كان - مازال حيا ... والكاميرا تقترب منه ... وهو يتكلم ويقول لصاحب الكاميرا (لا تصوِّر) ...
كان منظرا بشعا ... جعلني أطيل الصمت قسراً ..

نزلت من تلك العربة شارد البال ... تباً لذاك الرفيق فقد أفسد علي ليلتي ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الصفحات الأولى لهذا البوست - وقبل ظهور داعش - تناولنا موضوع المناظر الدموية التي باتت تظهر يوميا في أخبارنا على شاشة التلفاز ... وآثارها سلبا على المُشاهد صغيرا كان أم كبيرا ...

ولكن اليوم صار الأمر في غاية الخطورة ... الدماء تجتاح العالم من كل ناحية ... قسوة القلوب تزداد في كل صباح ..

النفوس تغيرت تماما تماما ... حبات التسالي تتراقص على الشفاه ترافقها ضحكات باردة أمام رؤوس تطير وأجساد تتناثر ..

ضاعت الرقة والطيبة بين طيات العنف ... وأغرقت الدماء مافي البشر من إنسانية وقتلت الذوق السليم ...

صار اليوم الهادئ .. الأبيض اللون ... المُفتتح بالرياحين والياسمين ... والمنتهي بـ سيمفونية حُب .. غريباً شريداً طريداً ... وسط دوي الرصاص .. وبُقع الدم .. و سُود الأيام .

أصبح المشهد لا يحتاج إلى تلفاز ... فالدماء في جيوبنا .

تصدق اخي طلال اذا قلت لك اصبحت تبكينا المسلسلات التركية والهندية اكثر من رؤيتنا لاشلاء اخواننا
يبدو باننا تبلدت احاسيسنا ولم يعد يعنينا ما يحصل لغيرنا
اصبحنا كما قلت نرقص على جروح والام. غيرنا وكاننا لم نسمع بحديث رسولنا الكريم (حب لاخيك كما تحب لنفسك)
الله المستعان
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

مسلمة وافتخر كتب:تصدق اخي طلال اذا قلت لك اصبحت تبكينا المسلسلات التركية والهندية اكثر من رؤيتنا لاشلاء اخواننا
يبدو باننا تبلدت احاسيسنا ولم يعد يعنينا ما يحصل لغيرنا
اصبحنا كما قلت نرقص على جروح والام. غيرنا وكاننا لم نسمع بحديث رسولنا الكريم (حب لاخيك كما تحب لنفسك)
الله المستعان

الله يصلح الحال أختي الفاضلة ... مع أطيب التحايا والإمتنان وما عدمناك
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

كان في واحد


قبل فترة وجيزة حكيت لأحد الصبية الصغار طرفة عن رجل بخيل .. ففاجأني الصبي بتعليقه على الرجل البخيل فقال ضاحكا : ( دا بكون شايقي ) ..

أثار تعليق هذا الصبي الكثير من الأشياء في داخلي ... فأنا ومنذ فترة طويلة أراقب ما يدور في مجتمعنا خصوصا بعد إنتشار النت عموما و (الواتساب) تحديدا ...

أصبح المجتمع يضج بالنكات العنصرية والتي تملأ الآفاق سخرية و(تريقة) وإستخفافا ..

وإن قال لي قائل : هذه مجرد دعابة ... أقول له : وهل لابد أن نسخر من أنفسنا وأهلنا حتى نضحك في هذا الزمان ؟

في ما مضى - قبل الواتساب - كانت النكتة تبدأ بــ ( كان في واحد .....)

واليوم أصبحت النكات تبدأ ( شايقي بخيل ... جعلي أحمق ... غرباوي جاهل ... شرقاوي ساذج ... شمالي ما عندو دين ...) وهكذا ... طبعا أصبحنا بلا جنوب .

هذه النكات التي تملأ قروبات الواتساب أثَّرت على الجيل الجديد وشوشت على الكثيرين من الجيل القديم وصورت لهم شخصيات المجتمع السوداني كالتالي :
(الشايقي بخيل وخسيس وخبيث ... الجعلي أحمق ومتهور وأرعن ...الغرباوي جاهل وخاوي الوفاض ... الشرقاوي لا يهمه سوى فنجان قهوته ويعيش في سذاجة و رقة .. الحلفاوي وأهل الشمال هم أهل سب الدين وعدم التقيد بالشريعة ..)

هكذا وللأسف صورت لنا وسائل التواصل الآن- والتي بأيدينا - شخصية الفرد السوداني ...

إنني لا أدعو للنكد وترك الدعابة والمرح ... ولكن فقط ألفِت النظر لما يترتب على هذا الأمر من سلبيات ومن فتن تشتعل بين القبائل ويكون الناتج مزيدا من الإستخفاف والسخرية التي في غير محلها ..

فقد عاشرت رجلا شايقي لمدة ثمانية سنوات ... كان يهدي لكل من يتزوج من أقاربه ومعارفه (طقم ذهب) ..

وأعرف جعليا مضرب الأمثال في الحكمة والرزانة والرفق ويقصدوه الناس من كل مكان لحل مشاكلهم ويسمونه (حلال المشاكل)

وصديقي الحميم من الغرب .. كان يشرح لي أكثر المسائل المحاسبية تعقيدا ويتكلم بالإنجليزية كما يتكلم بالعربي وفوق هذا وذاك يحفظ القرآن الكريم كاملا ... فكيف بالله عليكم يوصم أهل الغرب بالجهل وهم أكثر القبائل حفظا لكتاب الله في السودان ؟

وأعرف مهندسا من قبيلة الـ بني عامر تقوم على يديه مشاريع تُعد من أكبر المشاريع في دول الخليج قاطبة ... ولا توجد في حياته سذاجة أو بطالة أو عطالة... بل نجاحٌ مستمر .

أما بالنسبة لأهلنا في الشمال ... فالمكتبات الإسلامية تذخر بكتب من ينتسبون إلى تلك الأماكن ... والكثير من المساجد في الخرطوم (مثلا) نجد أئمتها من أهل الشمال ...

إن ما ضربته لكم من أمثال لا يساوي شيئا مما هو بين يديكم ومما تعلموه يقينا ....

نريد مجتمعا معافا من العصبية والجهوية والعنصرية ...

نريدن أن نمرح ونفرح ونضحك ونحكي النكتة التي تبدأ بــ ( كان في واحد ...)
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

الخيال الواسع

نعود بعد غيبة لنستكمل بعض الجزئيات في ما سبق من حديث عن ما تحمله رسائل الهاتف من أبعاد غير مرئية للعيان ..

في هذه الجزئية سأتحدث عن نكات المساطيل ..
هذه الطرائف وللأسف الشديد تمجد لما يفعله المسطول .. وهو شارب البنقو .. بصريح العبارة ..
وتصفه بأنه صاحب الخيال الواسع ... وأنه يأتي بالأفكار الذكية والكلمات العميقة ...
وتجد الشباب يحكون عن المساطيل وكأنهم أبطال في معترك الخيال ويأتون بما لم تستطعه الأوائل ...

والخطورة في هذا الأمر أنه قد أزال حاجز الرهبة بين الأولاد وآبائهم .. فتجد الجميع يحكي عن البنقو وشاربيه وهم يضحكون بكل بساطة ...
ويسمونهم (أصحاب الخيال الواسع) ... ويسمون السُكارى (اصحاب كرستال البلح) ..
وفي حقيقة الأمر إن ما نسمعه في وسائل الأعلام وما نتناقله في هواتفنا من طرائفهم ... ما هو إلا تمجيدا وإعجابا بما يفعلون كما ذكرنا سابقا ... فكيف نلوم شبابنا إن فعل ما يفعله هؤلاء؟

فـ أنت يا رب البيت تحكي عنهم ليل ونهار وتضحك من أفعالهم وأقوالهم ... إذن لا تلم إبنك إن فعل ما يضحكك ويعجبك .

كان الحديث عن البنقو والعرقي أمراً محرماً داخل الأسر المحافظة ... أما اليوم فكما نرى ونسمع ... نسأل الله العافية ..


أختم حديثي في هذا الموضوع من زاوية أخيرة ... وهي ضرورة التأكد من صحة الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والفتاوى قبل أن ننشرها في القروبات ... فرب فتوى صدرت من جاهل أحلت حراما ... وحرمت حلالا ..وأضلت خلقاً كثير .
صورة العضو الرمزية
احلام بت النيل
مشاركات: 3193
اشترك في: الاثنين 2015.6.8 11:50 am
مكان: نهر النيل

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة احلام بت النيل »

المبدع والمتميز دوماً طلال الحكيم
بوست أكتــــــــر من رائع
انا في غاية السعادة والإنبساط (والخشم واصل الاضنين من الضحك :gr: )
ابتداءاً من عام الرمادة ومروراً بحاجة العينة وهي تمسك زمامة رقبتك (اتخيلت المنظر 2323 )
وعم محجوب في الطائرة والعم صالح والبرشوت وصاحبك جابر تغمصه لشخصية بلال
والغنماية السعرانة (والحمد لله انا ماشربت شاي لبن :l: )
وحاج يوسف ذاك العجوز الظريف :d: (اها ماقلتي لي ... عرفت عوض زمزم ولا لسه 123 )
استمتعت جداً وانا اقلب صفحات البوست صفحة صفحة
وضحكت كثيراً ولم اعي بنفسي الا بعد تعليقات ممن يجلسون قريباً مني (البت جنت 123 45 :l: )
اصحك الله سنك كما اضحكتنا

((قبل فترة وجيزة حكيت لأحد الصبية الصغار طرفة عن رجل بخيل .. ففاجأني الصبي بتعليقه على الرجل البخيل فقال ضاحكا : ( دا بكون شايقي ) ..))
دا الحاصل والله والذي بسببه تحصل الخلافات القبلية
جعلي و شايقي و دنقلاوي ايه فايداني
غير خلقت خلاف خلت اخوي عاداني
خلو خبرنا يسري مع البعيد والداني
يكفي النيل ابونا و الجنس سوداني

واخيرا تقبل مروري

و ......
صورة

صورة العضو الرمزية
احلام بت النيل
مشاركات: 3193
اشترك في: الاثنين 2015.6.8 11:50 am
مكان: نهر النيل

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة احلام بت النيل »

وفي انتظار المزيد من الروائع
لك التحية
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »

احلام بت النيل كتب:
المبدع والمتميز دوماً طلال الحكيم
بوست أكتــــــــر من رائع
انا في غاية السعادة والإنبساط (والخشم واصل الاضنين من الضحك :gr: )
ابتداءاً من عام الرمادة ومروراً بحاجة العينة وهي تمسك زمامة رقبتك (اتخيلت المنظر 2323 )
وعم محجوب في الطائرة والعم صالح والبرشوت وصاحبك جابر تغمصه لشخصية بلال
والغنماية السعرانة (والحمد لله انا ماشربت شاي لبن :l: )
وحاج يوسف ذاك العجوز الظريف :d: (اها ماقلتي لي ... عرفت عوض زمزم ولا لسه 123 )
استمتعت جداً وانا اقلب صفحات البوست صفحة صفحة
وضحكت كثيراً ولم اعي بنفسي الا بعد تعليقات ممن يجلسون قريباً مني (البت جنت 123 45 :l: )
اصحك الله سنك كما اضحكتنا

((قبل فترة وجيزة حكيت لأحد الصبية الصغار طرفة عن رجل بخيل .. ففاجأني الصبي بتعليقه على الرجل البخيل فقال ضاحكا : ( دا بكون شايقي ) ..))
دا الحاصل والله والذي بسببه تحصل الخلافات القبلية
جعلي و شايقي و دنقلاوي ايه فايداني
غير خلقت خلاف خلت اخوي عاداني
خلو خبرنا يسري مع البعيد والداني
يكفي النيل ابونا و الجنس سوداني

واخيرا تقبل مروري

و ......
صورة

احلام بت النيل ... أسعدني وجودك هنا ... وأبهجني أن راق لكم المكان ..
شرفني حضورك .. وطوقتني كلماتك بفرح أكيد ..

كل سنة وإنت طيبة ... وأحلامك حقيقة ..
صورة العضو الرمزية
طلال الحكيم
مشاركات: 4056
اشترك في: السبت 2010.5.8 11:08 am
مكان: السعودية

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة طلال الحكيم »


خوجلي والقرد


قبل عدة سنوات .. ليست بالطويلة الطويلة ...
كنت في الخرطوم في موقف الحافلات .. أنظر إلى الحافلات المصطفة في إنتظار الركاب ..
تمتلئ الأولى فتذهب .. فتأتي الثانية إلى المقدمة فتمتلئ فتذهب وتأتي التي تليها وهكذا ..
لم أكن في عجلة من أمري ... وفي مثل هذه الظروف أتخير الحافلة التي تقلني .. أختار ذات الستائر والكراسي الجديدة ولا أستعجل الركوب في الحافلات (المهلهلة) ... فلا عجلة ..

في ذاك اليوم نهارا .. وفي تلك الحافلة التي إخترتها بعناية ... حدثت دراما عجيبة ..
كنت أول الناس صعودا للحافلة .. وجلست على المقعد المفضل المطل على النافذة (قبل الكنبة الأخيرة)
وبدأ الركاب يتوافدون وبهدوء لا يقطعه إلا صوت الكمساري وهو ينادي على الركاب بأسماء المحطات التي في طريقه (..... الجامعة ... القيادة .. الفيش ... المعرض ... بُرِّي.. بُرِّي )

تأملت وجوه الركاب وهم يصعدون واحدا تلو الآخر ... لم تكن معي جريدة ولا أي شيء أشغل نفسي به ..

حتى صعد خوجلي ... رجل في منتصف الستين من عمره ... يضع على عينيه نظارة سميكة .. ويلبس( بدلة - زيتية اللون -.. ذات أكمام قصيرة ولها أسم متعارف عليه ولكني نسيته) .. يحمل جريدة وتفوح منه رائحة الكلونيا ... هو نموذج للرجل المتمسك بأناقة الستينات والسبعينات ... وهو بطل ما يأتي من أحداث .. أما عن كيفية معرفتي بإسمه (خوجلي) ... فستعرفون بعد قليل ..

جلس العم خوجلي في أول معقد شمال باب الحافلة تماما ..
ثم ركبت إنتصار الممرضة ... إمرأة ثلاثينية .. سمراء .. وجلست أماماً في الكرسي الذي خلف السائق ... أما عن كيفية معرفتي بإسمها (إنتصار) وأنها ممرضة ...فأيضا ..ستعرفون بعد قليل ..

إمتلأت الحافلة إلا من مقعد وحيد في الكنبة الخلفية وبدأت الحافلة تتحرك ببطء والكمساري يصيح في محاولة مستميتة لإلتقاط أخر راكب ..

وفجأة ظهر في المشهد شاب مراهق يجري خلف الحافلة ... يرتدي بنطلون جنز أسود وفنيلة سوداء ويضع على وجهه قناع بلاستيكي لوجه قرد له شعر وأسنان بارزة .. إذا رأيته حسبته قردا بلا شك .. قرد ضخم ..

قيل (ما بين الشباب والجنون شعرة) ولم أعي وأستوعب هذه المقولة بحذافيرها إلا في ذاك النهار ..
فقد كان هذا المراهق مجنونا بفعله ...تعلق الشاب بباب الحافلة ووقف لبرهة ينظر إلى أين يوجد المقعد الخالي ...
وكان وقوفه هذا أمام العم خوجلي بالظبط .. ومن هنا بدأت الأحداث (الدرماتيكية ) .. وإنقلب الحال تماما

أنا وإلى اللحظة التي قفز فيها القرد وتشعلق في الباب .. لم أكن معهم في الحافلة بذهني ... فقدت عاودني الشرود والسرحان خصوصا عندما أجلس خلف أي نافذة ... نافذة حافلة .. طائرة .. غرفة .. أيأ كانت من نافذة .. ضعني خلف نافذة وأترك لي السرحان ..

ولكن .. أعادني من شرودي هذا صوت صرخة قوية أطلقها عمك خوجلي .. فقد أفزعه القرد المتشعلق ..
وفزعت أنا أيضا ... فقد إجتمع علي الإثنان ... صراخ وقرد ..
ثم علت الصيحات في الحافلة ما بين صيحات مستهجنة وما بين صيحات ضاحكة .. وما لبث أن دلف (الشاب القرد) إلى داخل الحافلة وجلس على المقعد الخلفي وهو يضحك ولم ينزع القناع ..

إلتفتُ ونظرتُ إليه بغضب .. وكثير من الركاب فعلوا ذلك ... ولكنه ما زال يضحك في هبالة ..

هنا وقف عمك خوجلي على رجليه .. وإلتفت إلى القرد في المقعد الخلفي وقال بصوت متقطع وأنفاس متلاحقة :
- يا ولد ... قبال ما تعمل الحركات دي خُت في بالك إنو في ناس كبار وعيانين والخلعة ممكن تودرهم ... هسه أنا عندي سكري ... وحيلي مات كلو كلو ..خلعتني وإنتهيت مني ..

ثم سقطت على مقعده .. فصاح من كان في الحافلة ..وتعالت الأصوات من هنا وهناك
( ألحقو ألحقو عمك ... يا السواق أقيف ياخ ... لا حولاااااا ... ده كلو منك يا القرد ... )

ووقفت الحافلة وتكوم الناس بداخلها حول خوجلي واشرأبت أعناق أصحاب المقاعد الخلفية والأمامية

وهنا جاء دور إنتصار التي إكتشفنا أنها تعمل ممرضة .. أمسكت بيد خوجلي لتقيس نبضه وهي تصيح
- يا جماعة كدي زحو شوية ... كده بتكتمو عليهو الهوا ... أنت كويس يا عم؟ .. حاسي بشنو ؟.. أسمك منو؟
نظر وجال بنظراته في وجوهنا وقال :
- خــو ... خوجلي ..
ثم أمسك بصدره وأخذ يتنفس بصعوبة ..
صاح أحدهم :
- إنت دكتورة ولا شنو؟
نظرت إليه بحدة وسفهته ولم تجبه بل قالت
- يا جماعة أي زول يقعد في مقعدو أحسن ..إنت عندك شنو غير السكري يا عم خوجلي
- ما بعرف..
- عندك ضغط ؟..
- ما عندي ... إلا يكون جاني هسه مع الخلعة دي يا بتي
- خلاس ما تتعب نفسك خليك مرتاح
ثم عادت إنتصار إلى مقعدها ...

هدأت الأجواء قليلا داخل الحافلة وعاودت تسير بناء في هدوءٍ حذر ..
وبعد عدة دقائق تكلم عم خوجلي بكلمات خفيضة ..
- أنا تعبان يا ناس .. راسي لافي

فصاح الناس من جديد :
- ( يا السواق ياخ أقيف عمك ده تعبان .. تعالي يا دكتورة الزول ده عرقان شديد .. يا كمساري شوف ليك موية ألحقنا بيها )
صاح السواق بعصبية شديدة
- يا جماعة الحاصل شنو ... كل مرة نقيف كده ..؟
ردت عليه إنتصار :
- ما الزول عيان حنعمل شنو يعني
- خلاص خليهو ينزل
- ينزل كيف بالحالة دي ؟
- طيب لكن كده ما إتعطلنا
- هسه أكان ده أبوك بتنزلو كده؟
- طيب الحل شنو ؟
- خلي الكمساري بتاعك ده يجيبنا لينا موية ..
- يجيبا من وين ونحن في شارع الظلط ده
- خلاس أدخل على حي من الأحياء دي خلينا نشوف لينا بقالة

وعرجت بنا الحافلة إلى ما بين البيوت بعدما فارقت شارع الظلط ... وسط إستهجان بعض الركاب وتضجرهم من التأخير بحجة أن لديهم مواعيد ..
وقفنا أمام أحد الدكاكين ... وكان أمامه (زير) نزل الكمساري بسرعة وجاء بالماء لعم خوجلي ونزل بعض الركاب وشرب ..ونزل القرد بعد أن خلع قناعه ..
صاح أحدهم :
- ياخي أريتك أكان ما قلعت وش القرد .. قبيل شكلك كان أحلى ..
فضحك الجميع .. بما فيهم عمك خوجلي ..

وجدتها فرصة وجلستُ قبالة خوجلي وظللت أتأمله بتمعنٍ شديد .. لم يكن منتبها لي .. وكان يتحدث مع البقية .. ساورني شك عريض أن عم خوجلي (يمثل) ... أو ( مزود الحكاية شوية) فالأمر لم يكن بهذا السوء .. فكم من مرة ضبطه وهو يضحك على إحدى التعليقات مثلما حدث للتو .. أو ينظر بنظرة صحيحة هنا وهناك ثم يعاود النظرات المتعبة والآهات كلما إلتفتت الأنظار إليه .. ولكن خفتُ أن أكون قد ظلمته و أن شكي في غير محله .. فآثرت السكوت والمتابعة ...

ركبنا الحافلة مرة أخرى بعد أن سقينا خوجلي وشربنا ... وسارت بنا بهدوئها الحذر ..
وما أن سارت بنا على جادة الطريق حتى سمعنا آهات خوجلي من جديد ..
عندها تذمر الكمساري:
- والله يا عمنا بالغت عديل .. شد حيلك شوية خلي اليوم ده يعدي ياخ ..
فجاءه صوت إنتصار(المدافعة دائما عن خوجلي ) كالسوط اللاذع ..
- خلي عندك دم .. ده راجل كبير ... شنو شد حليك والكلام الفارغ ده .. أقيف يا السواق
تعالى صوت السواق
- ما بقيف .. أصلو ما بقيف ..
- تقيف غصبا عنك .. الراجل ده لو حصلت ليهو حاجة أنت المسئول..
إنحرف بالحافلة ووقف ... وهو يضغط على (البوري) بلا داعي كي يفش غله ...
وتجمهرنا من جديد حول خوجلي ... الذي قال :
- تعرفي يا إنتصار يا بتي بكون السكري حقي منخفض ..
- جايز .. مافي زول معاهو حلاوة هنا يا جماعة ؟

تلفت الجميع وتعالت التعليقات الساخرة ( حلاوة كيف يعني؟ ... شايفانا ماشين الروضة ؟... عندي تسالي ينفع؟)
وإنتصار تنظر إليهم بغيظ ..
قال الكمساري
- مافي حلاوة .. نعمل شنو في اليوم الضارب ده؟
- خلاس ندخل تاني ونفتش بقالة عشان نشتري حلاوة
- ما ممكن الكلام ده يا دكتورة الحكاية كده زادت عن حدا ..
وتعالت أصوات معترضة ( خلاص نزلونا هنا ... دي شنو الحافلة الزفت دي ... نحن راكبين في حافلة ولا عربية إسعاف؟ )
وإنتصار ترد عليهم بإستماتة .. حتى انتصرت ..

فعرجت بنا الحافلة من جديد في رحلة البحث عن حلاوة لعم خوجلي ..
كنت مستمتعا بما أشاهده من أحداث ... ومتفرجا من الطراز الأول ... تجول نظراتي بين خوجلي وإنتصار والقرد .. وإبتسم لتلك التعليقات العفوية الطريفة ..
أعجبتني قوة شكيمة إنتصار ... وتأملت الهدوء الذي أصاب القرد وأحسست أنه اليوم أخذ درسا مُستفاد ... أما شكوكي في العم خوجلي فما زالت تساورني ..

عاد الكمساري من الدكان يحمل الحلاوة .. وتحركت الحافلة وسط عصبية من السواق
تنهد خوجلي وقال مخاطبا الكمساري :
- دا شنو يا ولدي الجبتو لي دا ؟
- حلاوة زي ما شايف
- عاد تجيب لي حلاوة مصاصة لكن ؟
هاج الكمساري :
- يا عم خوجلي نحن في شنو وإنت في شنو .. ما تاكل ساي ياخ
- آكل كيف .. قوية
- قرقشا ..
- ما بقدر.. سنوني كعبات
صاحت إنتصار التي كنت أنتظر دخولها في المشهد
- يا كمساري إنت ..كيف تجيب ليهو حلاوة مصاصة .. ده راجل كبير
- إنتي لازم تنطي في أي حاجة .. ؟
- أي بنط .. ما شغلك .. وأصلو انت ما بتعرف تتصرف
- أتصرف كيف يعني .. أجيب ليهو حلاوة ماكنتوش يعني؟
- كويس إنك بتعرف الماكنتوش
- ليه ما بعرفا؟
- ما إتوقعتك
وتعالت الأصوات من جديد ( يا جماعة باركوها ... يا جماعة خلو اليوم ده يعدي .. أسكت يا الكمساري وما ترد عليها دي مهما كانت مرا ... )

وعمك خوجلي يلحس حلاوة المصاصة بهدوء وفي مشهد مضحك (يفطس ضحكا) ... ومن حوله الناس (فايرة) ..
وثم قال بذات الهدوء
- ودوني المستشفى ..
وكنا قد إقتربنا من مستشفى الشرطة ...
وإنقسمت الأصوات ما بين مؤيد وما بين رافض .. وإستطاعت إنتصار أن تغلِّب كفة المستشفى .. فنزل من الحافلة من نزل وبقي من بقي ..وكنتُ مع من بقي طبعا .. فلا يمكن أن تفوتني بقية مشاهد هذه الدراما..

ونزلنا أمام بوابة المستشفى .. تتقدمنا إنتصار والقرد.. وبعض الرجال يمسكون بعم خوجلي .. سرتُ من خلفهم .. أتابع الموقف عن كثب ..

وهنا حدث أمر عجيب آخر ...

كان أحد الضباط يقف أمام البوابة .. ويضع سماعة التلفون ( ذات السلك الطويل) في أذنه .. لم أنتبه أنا لوجود السماعة ... ولم نكن نعلم أنه يجري مكالمة في ذاك الأوان ..
فسمعناه يقول وبصوت عالي ( مالو ؟ في شنو )
فحسبته يتكلم معنا .. ويسأل عن حالة عم خوجلي كنوع من إجراءات المستشفى .. فطلبت من إنتصار ورفقاء القرد أن يواصلوا سيرهم وأنا سأتكفل بالرد على الضابط ..
وقفت أمامه ولم ألحظ أيضا وجود السماعة في أذنه وقلت له :
- بسيطة إن شاء الله .. عمنا خوجلي ده إتخلع شوية
نظر إليَّ وواصل في مكالمته الغائبة عني ..( كيف الكلام ده ؟)
فقلت :
- والله يا هو الحصل .. خلعو القرد والظاهر عندو مشكلة في السكري..
أشاح بوجهه عني وسمعته يقول
- متين ؟
فأتيته من قبالة وجهه وواصلت حديثي:
- قبل شوية ونحن في الطريق .. القرد نط في الحافلة .. هو طبعا ما قرد لكن عم خوجلي كان قايلو قرد .. فــ إتخلع يعني .. وطبعا زي ما شايفو راجل كبير وما بقدر على الخُلع وكده .. حتى نحن والله زاتنا إتخلعنا ..

نزع السماعة من أذنه بعصبية وصاح في وجهي :
- في شنو ياخ ... عايز مني شنو إنت كمان ؟
تفاجأت ولكن تمالكت نفسي وقلت
- أنا ما عايز حاجة إنت العايز
- في شنو ؟ مالك ؟
- ياخ قلت ليك عم خوجلي إتخلع من القرد
- وأنا مالي ومالو ياخ ... ما يخلعو قرد ولا قرنتيا ..
- قرنتيا ؟
- أمشي مني ياخ وشوف القرد حقك ده وين؟ .. قال قرد قال ..
ثم أستدار وأعطاني ظهره وغرس السماعة في أذنه بعصبية ...
تملكني غيظ شديد .. كيف يجرؤ هذا الرجل على تهزيئي بهذا الشكل ؟
(وكمان يقول لي قرنتيا؟) ... تلفتُ يمنة ويسرى فلم أجد أحد من رفاق القرد حولي .. فحمدت الله على أن كرامتي ساحت دون أن يعلم أحد ...
ولكن بقي في النفس شيء من كبرياء وصمود وعزة نفس .. لا يمكن أن أذهب من هذا المكان قبل أن أرد إعتباري ..مهما كان .. لابد أن أنتظر هذا الضابط المغرور حتى يفرغ من مكالمته كي أشرح له اللبس الذي حدث .. لابد أن يفهم أنه هو سبب هذا اللبس .. لابد من أن يعتذر لي ..
فألتفت الضابط .. فوجدني مازلت خلف ظهره أبحلق فيه ... فنظر إليَّ نظرةً تفيض شذرا ويتطاير منها شررا ... فــ (بح) إختفيت وتلاشيت من أمامه في ثانية وحيدة ... كيف حدث هذا ... لستُ أدري .. وكأنني جان تم صرفه .. فـ (العمر مُش بعزقا) .. وجدت نفسي ألحق بركب القرد ..

تم الكشف على خوجلي ... وتم صرف له بعض المهدئات مع إعطائه برنامج للمحافظة على السكري ..

إنفض جمع القرد .. وتفرق الناس واحدا تلو الآخر بما فيهم القرد شخصيا ..
دنوت من عم خوجلي كي أسلم عليه قبل أن أنصرف .. فقد طمأنتنا إنتصار على حاله ..
سلمت عليه .. فجذب يدي وقال :
- أقعد يا ولدي ..
- حمد لله على سلامتك يا عم خوجلي ..
- الله يسلمك ... شايفك من قبيل بتعاين لي ساااااي
- بالله ؟ يعني إنت كنت ملاحظ لي ؟
- كيفن يا ولدي .. أنا ما زول ساهل
- .............
- أنا كنت عارفك بتفكر في شنو ... وكلامك صاح يا ولدي
- ياتو كلام؟ ..
- أنا فعلا كنت مزود الحكاية شوية ... ما عيان للدرجة دي ...تعرف ... أنا عندي تلاااااتة أولاد و بت ..
- ما شاء الله ..
- كلهم متزوجين والحمد لله ... البت إتزوجت السنة الفاتت
- مبروك ..
- تعرف ... أنا صحي إتخلعتا ... لكن لما لقيتكم إتلميتو فيني ... وإهتميتو بي ... وشفقتو علي .. يا سلااااام ... حسيت بيكم كلكم أولادي وأكتر من أولادي ... تصدق يا ولدي أنا قاعد في البيت براي ؟
- ليه ؟ أولادك وين ؟
- كل واحد فيهم في وادي ... كل واحد فيهم مشغول بي بيتو وأولادو ...
- لا حولااا
- في واحد فيهم شغال في شركة إتصالات .. وفي واحد في شركة حقت زيوت .. وفي واحد فاتح ليهو مكتب عقار في السوق ..حتى البت راجلا ظروفو كويسة .. لكن المشكلة ما بجوني إلا لما أكون عيان .. ومرات بجو يوم الجمعة يتلمو معاي .. لكن جيتهم أخير عدما ... كل واحد فيهم ماسك تلفون ومكبس فيهو اليوم كلو ...والله مرات أقول أطردهم هم وأكسر تلفوناتهم دي ..
- هم ساكنين بعيد منك
- لا والله ... الحيطة بالحيطة ..نحن ساكنين في بيت واحد كبير متقسم . بس والله ما بشوفهم
- وين أمهم ؟
- الله يرحمها .. ماتت من زمان وإرتاحت من الأيام السودا دي ... كبرتا يا ولدي .. وبقيت محتاج الناس تكون جمبي ... أنا ما محتاج لقروشهم .. محتاجهم هم يكونو حولي ... مرات والله بتغدا براي وبي سندوتش .. لكن أنا الغلطان ... انا الزمان كنت بقول ليهم أي واحد فيكم يلتزم بي بيتو وما يشتغل بي .. أنا بدبر نفسي .......وفعلا كنت بدبر نفسي ولحدي يوم الليلة بدبر نفسي .. ما كنت عايز أحس إني عالة على أي واحد فيهم ... بس هسه بقيت ما بقدر .. ما بقدر

غلبني الكلام .. وغصة حادة إعترضت حلقي .. وعَبرة حرَّى تورات خلف الرموش ..
أطرقتُ وأنا ممسكا بيده ..
فجاءني صوته
- قوم أمش يا ولدي ..
- لا ما بمشي بستنى لحدي تاخد راحتك وأوديك لبيتكم
- لا إنتصار إتصلت على أولادي وهم جايين في الطريق ..
نظرتُ من على البعد إلى إنتصار وهي تتحدث مع إحدي الممرضات ... نظرت لها بإمتنان شديد .. ورأيت أولاده أقزاما وشخوصا ضئيلة مقارنة بما فعلته هي من أجل أبيهم ..
- قوم أمشي يا ولدي
- لا بقعد يا عم خوجلي
- والله كان تقوم تمشي .. أنا حلفتا...الليلة يومكم كلو راح بسببي ... بس والله فرحت بيكم شديد .. وحسيت بيكم أكتر مما حسيت بأولادي الشغلتهم الدنيا عني..
- تستاهل كل خير يا عمي
- خلاص قوم أمش
- ما تخليني أقعد ..
- لا والله ..

قمت من جواره ... أدعو له بالصحة والعافية ... وخرجت قبل أن يأتي أحد من عياله .. فقد كانت نفسي منهم مشمئزة ..

______________________

تذكرت هذه الأحداث قبل عدة أيام ... وأنا أرى في الطريق شخصا يشبه عم خوجلي .. الذي لا أعلم ما آل إليه مصيره بعد كل هذه السنوات ... متعه الله بالصحة إن كان حيا ... وله الرحمة والمغفرة إن كان في دار القرار ..
______________________

كم في البلد من خوجلي ؟؟؟ كثير ..
كم في البلد من أبناء خوجلي ؟؟ كتير ...
كم في البلد من إنتصار ؟؟؟ قليل ...

يا من كان له أبٌ كـ خوجلي ... يا من كنت أنت كـ أحد أبناء خوجلي ... ألحق ما يمكن لحاقه .. وأنقذ ما يمكن إنقاذه ...
فما غدا إلا الألم .. يمزجه الندم .. حيث لا يزول الألم ولا ينفع الندم .
صورة العضو الرمزية
السنبلاية
مشاركات: 16000
اشترك في: الأحد 2010.3.28 1:46 pm
مكان: ود مدنى

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة السنبلاية »

منور .. طلال ..
فاتن ايوب
مشاركات: 5
اشترك في: الأربعاء 2016.10.12 4:56 pm
مكان: mm
اتصال:

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة فاتن ايوب »

سبحان الله ويحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي ع محمد وعلى اهلة وصحبه وسلم تسليما كثيرا
توكلت على الله الحى القيوم
اللهم ادخلنى مدخل صدق واخرجنى مخرج صدق واجعل من لدنك سلطانا نصيرا
اللهم اهدنا طريق الصواب المستقيم
صورة العضو الرمزية
احلام بت النيل
مشاركات: 3193
اشترك في: الاثنين 2015.6.8 11:50 am
مكان: نهر النيل

رد: حــرف جـر

مشاركة بواسطة احلام بت النيل »

طلال الحكيم كتب:
خوجلي والقرد


قبل عدة سنوات .. ليست بالطويلة الطويلة ...
كنت في الخرطوم في موقف الحافلات .. أنظر إلى الحافلات المصطفة في إنتظار الركاب ..
تمتلئ الأولى فتذهب .. فتأتي الثانية إلى المقدمة فتمتلئ فتذهب وتأتي التي تليها وهكذا ..
لم أكن في عجلة من أمري ... وفي مثل هذه الظروف أتخير الحافلة التي تقلني .. أختار ذات الستائر والكراسي الجديدة ولا أستعجل الركوب في الحافلات (المهلهلة) ... فلا عجلة ..

في ذاك اليوم نهارا .. وفي تلك الحافلة التي إخترتها بعناية ... حدثت دراما عجيبة ..
كنت أول الناس صعودا للحافلة .. وجلست على المقعد المفضل المطل على النافذة (قبل الكنبة الأخيرة)
وبدأ الركاب يتوافدون وبهدوء لا يقطعه إلا صوت الكمساري وهو ينادي على الركاب بأسماء المحطات التي في طريقه (..... الجامعة ... القيادة .. الفيش ... المعرض ... بُرِّي.. بُرِّي )

تأملت وجوه الركاب وهم يصعدون واحدا تلو الآخر ... لم تكن معي جريدة ولا أي شيء أشغل نفسي به ..

حتى صعد خوجلي ... رجل في منتصف الستين من عمره ... يضع على عينيه نظارة سميكة .. ويلبس( بدلة - زيتية اللون -.. ذات أكمام قصيرة ولها أسم متعارف عليه ولكني نسيته) .. يحمل جريدة وتفوح منه رائحة الكلونيا ... هو نموذج للرجل المتمسك بأناقة الستينات والسبعينات ... وهو بطل ما يأتي من أحداث .. أما عن كيفية معرفتي بإسمه (خوجلي) ... فستعرفون بعد قليل ..

جلس العم خوجلي في أول معقد شمال باب الحافلة تماما ..
ثم ركبت إنتصار الممرضة ... إمرأة ثلاثينية .. سمراء .. وجلست أماماً في الكرسي الذي خلف السائق ... أما عن كيفية معرفتي بإسمها (إنتصار) وأنها ممرضة ...فأيضا ..ستعرفون بعد قليل ..

إمتلأت الحافلة إلا من مقعد وحيد في الكنبة الخلفية وبدأت الحافلة تتحرك ببطء والكمساري يصيح في محاولة مستميتة لإلتقاط أخر راكب ..

وفجأة ظهر في المشهد شاب مراهق يجري خلف الحافلة ... يرتدي بنطلون جنز أسود وفنيلة سوداء ويضع على وجهه قناع بلاستيكي لوجه قرد له شعر وأسنان بارزة .. إذا رأيته حسبته قردا بلا شك .. قرد ضخم ..

قيل (ما بين الشباب والجنون شعرة) ولم أعي وأستوعب هذه المقولة بحذافيرها إلا في ذاك النهار ..
فقد كان هذا المراهق مجنونا بفعله ...تعلق الشاب بباب الحافلة ووقف لبرهة ينظر إلى أين يوجد المقعد الخالي ...
وكان وقوفه هذا أمام العم خوجلي بالظبط .. ومن هنا بدأت الأحداث (الدرماتيكية ) .. وإنقلب الحال تماما

أنا وإلى اللحظة التي قفز فيها القرد وتشعلق في الباب .. لم أكن معهم في الحافلة بذهني ... فقدت عاودني الشرود والسرحان خصوصا عندما أجلس خلف أي نافذة ... نافذة حافلة .. طائرة .. غرفة .. أيأ كانت من نافذة .. ضعني خلف نافذة وأترك لي السرحان ..

ولكن .. أعادني من شرودي هذا صوت صرخة قوية أطلقها عمك خوجلي .. فقد أفزعه القرد المتشعلق ..
وفزعت أنا أيضا ... فقد إجتمع علي الإثنان ... صراخ وقرد ..
ثم علت الصيحات في الحافلة ما بين صيحات مستهجنة وما بين صيحات ضاحكة .. وما لبث أن دلف (الشاب القرد) إلى داخل الحافلة وجلس على المقعد الخلفي وهو يضحك ولم ينزع القناع ..

إلتفتُ ونظرتُ إليه بغضب .. وكثير من الركاب فعلوا ذلك ... ولكنه ما زال يضحك في هبالة ..

هنا وقف عمك خوجلي على رجليه .. وإلتفت إلى القرد في المقعد الخلفي وقال بصوت متقطع وأنفاس متلاحقة :
- يا ولد ... قبال ما تعمل الحركات دي خُت في بالك إنو في ناس كبار وعيانين والخلعة ممكن تودرهم ... هسه أنا عندي سكري ... وحيلي مات كلو كلو ..خلعتني وإنتهيت مني ..

ثم سقطت على مقعده .. فصاح من كان في الحافلة ..وتعالت الأصوات من هنا وهناك
( ألحقو ألحقو عمك ... يا السواق أقيف ياخ ... لا حولاااااا ... ده كلو منك يا القرد ... )

ووقفت الحافلة وتكوم الناس بداخلها حول خوجلي واشرأبت أعناق أصحاب المقاعد الخلفية والأمامية

وهنا جاء دور إنتصار التي إكتشفنا أنها تعمل ممرضة .. أمسكت بيد خوجلي لتقيس نبضه وهي تصيح
- يا جماعة كدي زحو شوية ... كده بتكتمو عليهو الهوا ... أنت كويس يا عم؟ .. حاسي بشنو ؟.. أسمك منو؟
نظر وجال بنظراته في وجوهنا وقال :
- خــو ... خوجلي ..
ثم أمسك بصدره وأخذ يتنفس بصعوبة ..
صاح أحدهم :
- إنت دكتورة ولا شنو؟
نظرت إليه بحدة وسفهته ولم تجبه بل قالت
- يا جماعة أي زول يقعد في مقعدو أحسن ..إنت عندك شنو غير السكري يا عم خوجلي
- ما بعرف..
- عندك ضغط ؟..
- ما عندي ... إلا يكون جاني هسه مع الخلعة دي يا بتي
- خلاس ما تتعب نفسك خليك مرتاح
ثم عادت إنتصار إلى مقعدها ...

هدأت الأجواء قليلا داخل الحافلة وعاودت تسير بناء في هدوءٍ حذر ..
وبعد عدة دقائق تكلم عم خوجلي بكلمات خفيضة ..
- أنا تعبان يا ناس .. راسي لافي

فصاح الناس من جديد :
- ( يا السواق ياخ أقيف عمك ده تعبان .. تعالي يا دكتورة الزول ده عرقان شديد .. يا كمساري شوف ليك موية ألحقنا بيها )
صاح السواق بعصبية شديدة
- يا جماعة الحاصل شنو ... كل مرة نقيف كده ..؟
ردت عليه إنتصار :
- ما الزول عيان حنعمل شنو يعني
- خلاص خليهو ينزل
- ينزل كيف بالحالة دي ؟
- طيب لكن كده ما إتعطلنا
- هسه أكان ده أبوك بتنزلو كده؟
- طيب الحل شنو ؟
- خلي الكمساري بتاعك ده يجيبنا لينا موية ..
- يجيبا من وين ونحن في شارع الظلط ده
- خلاس أدخل على حي من الأحياء دي خلينا نشوف لينا بقالة

وعرجت بنا الحافلة إلى ما بين البيوت بعدما فارقت شارع الظلط ... وسط إستهجان بعض الركاب وتضجرهم من التأخير بحجة أن لديهم مواعيد ..
وقفنا أمام أحد الدكاكين ... وكان أمامه (زير) نزل الكمساري بسرعة وجاء بالماء لعم خوجلي ونزل بعض الركاب وشرب ..ونزل القرد بعد أن خلع قناعه ..
صاح أحدهم :
- ياخي أريتك أكان ما قلعت وش القرد .. قبيل شكلك كان أحلى ..
فضحك الجميع .. بما فيهم عمك خوجلي ..

وجدتها فرصة وجلستُ قبالة خوجلي وظللت أتأمله بتمعنٍ شديد .. لم يكن منتبها لي .. وكان يتحدث مع البقية .. ساورني شك عريض أن عم خوجلي (يمثل) ... أو ( مزود الحكاية شوية) فالأمر لم يكن بهذا السوء .. فكم من مرة ضبطه وهو يضحك على إحدى التعليقات مثلما حدث للتو .. أو ينظر بنظرة صحيحة هنا وهناك ثم يعاود النظرات المتعبة والآهات كلما إلتفتت الأنظار إليه .. ولكن خفتُ أن أكون قد ظلمته و أن شكي في غير محله .. فآثرت السكوت والمتابعة ...

ركبنا الحافلة مرة أخرى بعد أن سقينا خوجلي وشربنا ... وسارت بنا بهدوئها الحذر ..
وما أن سارت بنا على جادة الطريق حتى سمعنا آهات خوجلي من جديد ..
عندها تذمر الكمساري:
- والله يا عمنا بالغت عديل .. شد حيلك شوية خلي اليوم ده يعدي ياخ ..
فجاءه صوت إنتصار(المدافعة دائما عن خوجلي ) كالسوط اللاذع ..
- خلي عندك دم .. ده راجل كبير ... شنو شد حليك والكلام الفارغ ده .. أقيف يا السواق
تعالى صوت السواق
- ما بقيف .. أصلو ما بقيف ..
- تقيف غصبا عنك .. الراجل ده لو حصلت ليهو حاجة أنت المسئول..
إنحرف بالحافلة ووقف ... وهو يضغط على (البوري) بلا داعي كي يفش غله ...
وتجمهرنا من جديد حول خوجلي ... الذي قال :
- تعرفي يا إنتصار يا بتي بكون السكري حقي منخفض ..
- جايز .. مافي زول معاهو حلاوة هنا يا جماعة ؟

تلفت الجميع وتعالت التعليقات الساخرة ( حلاوة كيف يعني؟ ... شايفانا ماشين الروضة ؟... عندي تسالي ينفع؟)
وإنتصار تنظر إليهم بغيظ ..
قال الكمساري
- مافي حلاوة .. نعمل شنو في اليوم الضارب ده؟
- خلاس ندخل تاني ونفتش بقالة عشان نشتري حلاوة
- ما ممكن الكلام ده يا دكتورة الحكاية كده زادت عن حدا ..
وتعالت أصوات معترضة ( خلاص نزلونا هنا ... دي شنو الحافلة الزفت دي ... نحن راكبين في حافلة ولا عربية إسعاف؟ )
وإنتصار ترد عليهم بإستماتة .. حتى انتصرت ..

فعرجت بنا الحافلة من جديد في رحلة البحث عن حلاوة لعم خوجلي ..
كنت مستمتعا بما أشاهده من أحداث ... ومتفرجا من الطراز الأول ... تجول نظراتي بين خوجلي وإنتصار والقرد .. وإبتسم لتلك التعليقات العفوية الطريفة ..
أعجبتني قوة شكيمة إنتصار ... وتأملت الهدوء الذي أصاب القرد وأحسست أنه اليوم أخذ درسا مُستفاد ... أما شكوكي في العم خوجلي فما زالت تساورني ..

عاد الكمساري من الدكان يحمل الحلاوة .. وتحركت الحافلة وسط عصبية من السواق
تنهد خوجلي وقال مخاطبا الكمساري :
- دا شنو يا ولدي الجبتو لي دا ؟
- حلاوة زي ما شايف
- عاد تجيب لي حلاوة مصاصة لكن ؟
هاج الكمساري :
- يا عم خوجلي نحن في شنو وإنت في شنو .. ما تاكل ساي ياخ
- آكل كيف .. قوية
- قرقشا ..
- ما بقدر.. سنوني كعبات
صاحت إنتصار التي كنت أنتظر دخولها في المشهد
- يا كمساري إنت ..كيف تجيب ليهو حلاوة مصاصة .. ده راجل كبير
- إنتي لازم تنطي في أي حاجة .. ؟
- أي بنط .. ما شغلك .. وأصلو انت ما بتعرف تتصرف
- أتصرف كيف يعني .. أجيب ليهو حلاوة ماكنتوش يعني؟
- كويس إنك بتعرف الماكنتوش
- ليه ما بعرفا؟
- ما إتوقعتك
وتعالت الأصوات من جديد ( يا جماعة باركوها ... يا جماعة خلو اليوم ده يعدي .. أسكت يا الكمساري وما ترد عليها دي مهما كانت مرا ... )

وعمك خوجلي يلحس حلاوة المصاصة بهدوء وفي مشهد مضحك (يفطس ضحكا) ... ومن حوله الناس (فايرة) ..
وثم قال بذات الهدوء
- ودوني المستشفى ..
وكنا قد إقتربنا من مستشفى الشرطة ...
وإنقسمت الأصوات ما بين مؤيد وما بين رافض .. وإستطاعت إنتصار أن تغلِّب كفة المستشفى .. فنزل من الحافلة من نزل وبقي من بقي ..وكنتُ مع من بقي طبعا .. فلا يمكن أن تفوتني بقية مشاهد هذه الدراما..

ونزلنا أمام بوابة المستشفى .. تتقدمنا إنتصار والقرد.. وبعض الرجال يمسكون بعم خوجلي .. سرتُ من خلفهم .. أتابع الموقف عن كثب ..

وهنا حدث أمر عجيب آخر ...

كان أحد الضباط يقف أمام البوابة .. ويضع سماعة التلفون ( ذات السلك الطويل) في أذنه .. لم أنتبه أنا لوجود السماعة ... ولم نكن نعلم أنه يجري مكالمة في ذاك الأوان ..
فسمعناه يقول وبصوت عالي ( مالو ؟ في شنو )
فحسبته يتكلم معنا .. ويسأل عن حالة عم خوجلي كنوع من إجراءات المستشفى .. فطلبت من إنتصار ورفقاء القرد أن يواصلوا سيرهم وأنا سأتكفل بالرد على الضابط ..
وقفت أمامه ولم ألحظ أيضا وجود السماعة في أذنه وقلت له :
- بسيطة إن شاء الله .. عمنا خوجلي ده إتخلع شوية
نظر إليَّ وواصل في مكالمته الغائبة عني ..( كيف الكلام ده ؟)
فقلت :
- والله يا هو الحصل .. خلعو القرد والظاهر عندو مشكلة في السكري..
أشاح بوجهه عني وسمعته يقول
- متين ؟
فأتيته من قبالة وجهه وواصلت حديثي:
- قبل شوية ونحن في الطريق .. القرد نط في الحافلة .. هو طبعا ما قرد لكن عم خوجلي كان قايلو قرد .. فــ إتخلع يعني .. وطبعا زي ما شايفو راجل كبير وما بقدر على الخُلع وكده .. حتى نحن والله زاتنا إتخلعنا ..

نزع السماعة من أذنه بعصبية وصاح في وجهي :
- في شنو ياخ ... عايز مني شنو إنت كمان ؟
تفاجأت ولكن تمالكت نفسي وقلت
- أنا ما عايز حاجة إنت العايز
- في شنو ؟ مالك ؟
- ياخ قلت ليك عم خوجلي إتخلع من القرد
- وأنا مالي ومالو ياخ ... ما يخلعو قرد ولا قرنتيا ..
- قرنتيا ؟
- أمشي مني ياخ وشوف القرد حقك ده وين؟ .. قال قرد قال ..
ثم أستدار وأعطاني ظهره وغرس السماعة في أذنه بعصبية ...
تملكني غيظ شديد .. كيف يجرؤ هذا الرجل على تهزيئي بهذا الشكل ؟
(وكمان يقول لي قرنتيا؟) ... تلفتُ يمنة ويسرى فلم أجد أحد من رفاق القرد حولي .. فحمدت الله على أن كرامتي ساحت دون أن يعلم أحد ...
ولكن بقي في النفس شيء من كبرياء وصمود وعزة نفس .. لا يمكن أن أذهب من هذا المكان قبل أن أرد إعتباري ..مهما كان .. لابد أن أنتظر هذا الضابط المغرور حتى يفرغ من مكالمته كي أشرح له اللبس الذي حدث .. لابد أن يفهم أنه هو سبب هذا اللبس .. لابد من أن يعتذر لي ..
فألتفت الضابط .. فوجدني مازلت خلف ظهره أبحلق فيه ... فنظر إليَّ نظرةً تفيض شذرا ويتطاير منها شررا ... فــ (بح) إختفيت وتلاشيت من أمامه في ثانية وحيدة ... كيف حدث هذا ... لستُ أدري .. وكأنني جان تم صرفه .. فـ (العمر مُش بعزقا) .. وجدت نفسي ألحق بركب القرد ..

تم الكشف على خوجلي ... وتم صرف له بعض المهدئات مع إعطائه برنامج للمحافظة على السكري ..

إنفض جمع القرد .. وتفرق الناس واحدا تلو الآخر بما فيهم القرد شخصيا ..
دنوت من عم خوجلي كي أسلم عليه قبل أن أنصرف .. فقد طمأنتنا إنتصار على حاله ..
سلمت عليه .. فجذب يدي وقال :
- أقعد يا ولدي ..
- حمد لله على سلامتك يا عم خوجلي ..
- الله يسلمك ... شايفك من قبيل بتعاين لي ساااااي
- بالله ؟ يعني إنت كنت ملاحظ لي ؟
- كيفن يا ولدي .. أنا ما زول ساهل
- .............
- أنا كنت عارفك بتفكر في شنو ... وكلامك صاح يا ولدي
- ياتو كلام؟ ..
- أنا فعلا كنت مزود الحكاية شوية ... ما عيان للدرجة دي ...تعرف ... أنا عندي تلاااااتة أولاد و بت ..
- ما شاء الله ..
- كلهم متزوجين والحمد لله ... البت إتزوجت السنة الفاتت
- مبروك ..
- تعرف ... أنا صحي إتخلعتا ... لكن لما لقيتكم إتلميتو فيني ... وإهتميتو بي ... وشفقتو علي .. يا سلااااام ... حسيت بيكم كلكم أولادي وأكتر من أولادي ... تصدق يا ولدي أنا قاعد في البيت براي ؟
- ليه ؟ أولادك وين ؟
- كل واحد فيهم في وادي ... كل واحد فيهم مشغول بي بيتو وأولادو ...
- لا حولااا
- في واحد فيهم شغال في شركة إتصالات .. وفي واحد في شركة حقت زيوت .. وفي واحد فاتح ليهو مكتب عقار في السوق ..حتى البت راجلا ظروفو كويسة .. لكن المشكلة ما بجوني إلا لما أكون عيان .. ومرات بجو يوم الجمعة يتلمو معاي .. لكن جيتهم أخير عدما ... كل واحد فيهم ماسك تلفون ومكبس فيهو اليوم كلو ...والله مرات أقول أطردهم هم وأكسر تلفوناتهم دي ..
- هم ساكنين بعيد منك
- لا والله ... الحيطة بالحيطة ..نحن ساكنين في بيت واحد كبير متقسم . بس والله ما بشوفهم
- وين أمهم ؟
- الله يرحمها .. ماتت من زمان وإرتاحت من الأيام السودا دي ... كبرتا يا ولدي .. وبقيت محتاج الناس تكون جمبي ... أنا ما محتاج لقروشهم .. محتاجهم هم يكونو حولي ... مرات والله بتغدا براي وبي سندوتش .. لكن أنا الغلطان ... انا الزمان كنت بقول ليهم أي واحد فيكم يلتزم بي بيتو وما يشتغل بي .. أنا بدبر نفسي .......وفعلا كنت بدبر نفسي ولحدي يوم الليلة بدبر نفسي .. ما كنت عايز أحس إني عالة على أي واحد فيهم ... بس هسه بقيت ما بقدر .. ما بقدر

غلبني الكلام .. وغصة حادة إعترضت حلقي .. وعَبرة حرَّى تورات خلف الرموش ..
أطرقتُ وأنا ممسكا بيده ..
فجاءني صوته
- قوم أمش يا ولدي ..
- لا ما بمشي بستنى لحدي تاخد راحتك وأوديك لبيتكم
- لا إنتصار إتصلت على أولادي وهم جايين في الطريق ..
نظرتُ من على البعد إلى إنتصار وهي تتحدث مع إحدي الممرضات ... نظرت لها بإمتنان شديد .. ورأيت أولاده أقزاما وشخوصا ضئيلة مقارنة بما فعلته هي من أجل أبيهم ..
- قوم أمشي يا ولدي
- لا بقعد يا عم خوجلي
- والله كان تقوم تمشي .. أنا حلفتا...الليلة يومكم كلو راح بسببي ... بس والله فرحت بيكم شديد .. وحسيت بيكم أكتر مما حسيت بأولادي الشغلتهم الدنيا عني..
- تستاهل كل خير يا عمي
- خلاص قوم أمش
- ما تخليني أقعد ..
- لا والله ..

قمت من جواره ... أدعو له بالصحة والعافية ... وخرجت قبل أن يأتي أحد من عياله .. فقد كانت نفسي منهم مشمئزة ..

______________________

تذكرت هذه الأحداث قبل عدة أيام ... وأنا أرى في الطريق شخصا يشبه عم خوجلي .. الذي لا أعلم ما آل إليه مصيره بعد كل هذه السنوات ... متعه الله بالصحة إن كان حيا ... وله الرحمة والمغفرة إن كان في دار القرار ..
______________________

كم في البلد من خوجلي ؟؟؟ كثير ..
كم في البلد من أبناء خوجلي ؟؟ كتير ...
كم في البلد من إنتصار ؟؟؟ قليل ...

يا من كان له أبٌ كـ خوجلي ... يا من كنت أنت كـ أحد أبناء خوجلي ... ألحق ما يمكن لحاقه .. وأنقذ ما يمكن إنقاذه ...
فما غدا إلا الألم .. يمزجه الندم .. حيث لا يزول الألم ولا ينفع الندم .
.. d010.gif d010.gif d010.gif d010.gif d010.gif ..

أثرتي جداً جداً حكاية عم خوجلي وزي ما قلت المثلو كتيرييييين
الله يرحم أبوي وجميع الأباء المتوفين
ويمتع والدتي بالصحة والعافية ويجعلنا من البارين بها
لك التحية اخ طلال وأضحكتني جداً في الأول وتخيلت القرد ومنظره

أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى السودان العام“