الخرطوم عاصمة الحب !

يهتم هذا القسم بكل المعلومات عن وطننا الحبيب .

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
كاتم الاحزان
مشاركات: 193
اشترك في: الخميس 2008.6.19 11:35 am
مكان: امدرمان

الخرطوم عاصمة الحب !

مشاركة بواسطة كاتم الاحزان »

بقلم/ محفوظ عبد الرحمن


كنت في الحادية عشرة عندما خرجت في مظاهرة تهتف ضد الإنجليز وضد استيلائهم على السودان، وأذكر الهتاف الكوميدي الذي كان يقول:مصر والسودان لنا وانجلترا إن أمكن! وهو الهتاف الذي قيل إنه من تأليف الأزهريين. وأذكر أيضا الهتاف الذي كان يقول: النيل لا يتجزأ.

ولم أفهم آنئذ معنى الكلمات، وظللت فترة حتى أدركت معنى الكلمات، ولكن بقي في نفسي مع العقود الطويلة احساس العجز أمام معنى الكلمات، ومازال هذا الإحساس ينتابني أمام بعض النصوص الغامضة لعمقها أو لتفاهتها.

واتت الشرطة وأحاطت بنا، ووجدت ـ لا أدري لماذا ـ أنه من الجبن أن أهرب فوقفت أمامهم وأنا مستمر في الهتاف مؤجلا فهمه إلى فترة طويلة، فقبضوا عليّ فيمن امسكوا بهم، وذهبوا بنا إلى الحبس. وكان المأمور يرسل في طلب أولياء الأمور، وعندما يأتون يعنفهم لأن ابناءهم اشتركوا في المظاهرات.

وبالتأكيد بعد انصرافهم كان الآباء يعاقبون أولادهم. وكنت أعرف أن عقابي سيكون شديدا، فأبي واحد من رجال الشرطة، لذلك رفضت أن أفصح عن اسمي أو عنواني أو اسم ولي أمرى.

ولما كانت الكراريس قد فقدت أثناء اقتحام الشرطة للمظاهرة، فلم يكن هناك دليل على شخصيتي. وظللت محبوسا حتى أتى المساء، ويبدو أن وجود تلميذ حتى الصبح كان بعيدا من المنطق بالنسبة للمأمور، فأمر بأن أخرج رغم أنني لم أفصح عن اسمي، ومن الغريب أنني افعلها حتى الآن في بعض الأحيان.

ولم تكن أول مظاهرة شاركت فيها في حياتي هى الذكرى الوحيدة التي ناوشتني وأنا أركب الطائرة في طريقي إلى الخرطوم لأول مرة.

وكنت أحس بالخجل لأنني أسافر إلى السودان لأول مرة، وأنا الذي سافرت بلادا كثيرة وبالذات الوطن العربي، لكنني اكتشفت أن الأغلبية الساحقة ممن سافروا معي لم يأتوا إلى السودان من قبل: يوسف شعبان، أسعد فضة، فردوس عبدالحميد، محمد السيد عيد.. وغيرهم من الأدباء والفنانين. وعندما تضاعفت الأرقام أدركت أننا كنا في عزلة عن السودان أو أنه اعتزلنا لسنوات طويلة.

كنت أعرف السودان جيدا رغم أنني لم أزره من قبل ليس لأنني هتفت له وأنا في الحادية عشرة، فقد كان مدخلي إلى السودان هو بعض زملائي في الجامعة، وكانوا جميعا من الأدباء، الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري والشاعر الراحل جيلي عبدالرحمن والقاص حسبو .

وغيرهم من الذين عرفنا منهم روح السودان، ثم اكملنا بالقراءة، ومن المحزن أنني في فترة الدراسة كنت أتابع الأدب السوداني، أما الآن فلا أكاد أعثر على شيء من هذا الإبداع، وعندما قلت ذلك لوزير الثقافة الأستاذ عبدالباسط عبدالماجد قال لي إن هناك أزمة نشر. وقلت له إن أزمة النشر ليس صعبا حلها. وأظن أن أزمة النشر حلت في معظم الدول العربية.

وفي مصر على سبيل المثال لا نكاد نتعرف على عناوين الكتب لكثرتها. هذا يعنى أن أزمة النشر قد حلت، وإن كانت أزمة النشر نفسها مازالت موجودة في العالم العربي، ولكن تلك قضية أخرى.

وما ينطبق على الإبداع الروائي والقصصي والمسرحي ينطبق أيضا على المسرح فلا أذكر أنني رأيت من المسرحيات السودانية إلا ما يعد على أصابع اليد الواحدة، ولم تبهرني احداها.

وحتى المسلسلات التليفزيونية التي أصبحت العملة الرائجة عددها قليل جدا، وما رأيته منها من الصعب أن يتجاوز حدود السودان ويلتقي بالمشاهد العربي.

ولقد فسر لي الأستاذ على مهدي أن الامكانات هى السبب في ضعف الدراما السودانية ولو أنك سألتنى عن علي مهدي سأصاب بدهشة كبيرة فهو أشهر شخصية ثقافية خارج السودان ـ وأظن أيضا داخل السودان ـ حاضر في كل مؤتمر وكل مهرجان نائب رئيس اتحاد الفنانين العرب.

وأنشط عناصره. يتم تكريمه كل بضعة شهور حتى أن أحد أصدقائنا قاطعه في احد المهرجانات، وقال له: أستاذ «علي» هل هناك أحد غيرك في السودان؟ وأغرقنا في الضحك، وضحك «علي» أيضا فهو إنسان بسيط طيب مثل كل السودانيين.

وكانت المناسبة التي سافرنا من أجلها هى اختيار الخرطوم عاصمة ثقافية عربية لعام 2005، ولقد أقبل السودانيون بحماس على هذا الاختيار أكثر من أي بلد آخر. وعلقوا عليه آمالهم في استعادة الثقافة السودانية عافيتها. وعندما تحدثنا مع المهندس السعيد عثمان عن برامج الاحتفال فوجئنا أنه حول سنة 2005 إلى نشاط مستمر.

وبالطبع تدرك دون أن أذكر هذا أن المهندس السعيد هو أيضا أحد كبار المثقفين والناس لا ينادونه إلا بلقب «الباشمهندس». وهو لقب يذكرك بالعصر العثماني، ولكن هل هو الشيء الوحيد في لغتنا الذي أتى من هذه الفترة؟

وتخيل البعض أننا أتينا للاحتفال بعيد الاستقلال. وتخيل البعض أننا أتينا لنبارك اتفاق السلام. ومن الغريب أن الضيوف الذين هنأوا باتفاقية السلام لم يكن يبدو على وجوههم الحماس، ولا نستطيع أن نناقش الاتفاقية الآن. وربما كانت خيرا وبركة. ولكن كلمة السلام ـ بصراحة ـ أصبحت من الكلمات السيئة السمعة في اللغة العربية. ولكننا ندعو أن يكون السلام في السودان سلاما حقا فهو يحتاج إلى ذلك كثيرا.

وكان الموضوع الذي بدأ النشاط هو عن الثقافة السودانية بين العروبة والتأثير الإفريقي. وفجأة تفجرت آراء بدت غريبة.

ولكن الامر يحتاج إلى روية في التفكير. لقد كان الفكر القومي الذي ساد الفترات الماضية، خاصة في فترة الستينات يضغط على الأقليات راجيا أن تذوب في الأغلبية العربية.

وكان أكثر القوميين يرون أن التعلق بالتاريخ السابق للعروبة مثل الفينيقية والفرعونية والأشورية كفر بالعروبة. وأشهد ـ وأنا قلبا وقالبا مع القوميين ـ أنني كنت أرى في بتر التاريخ قبل العروبة خطأ كبيرا.

ومن المدهش أن الذين استنكروا الضغط على الأقليات ـ في المؤتمر ـ هم أنفسهم الذين دعوا إلى حذف التاريخ قبل الإسلامي. كما أنهم أكدوا أن الحضارة العربية هى حضارة إسلامية خالصة. ولقد اعترضت على هذا، وذكرت فيما ذكرت جبران خليل جبران. وميخائيل نعيمة.

وذكرت من السياسيين ميشيل عفلق، وضاع في الارتجال أي اسم آخر من ذهني. فبدوت للبعض كأنني عضو بحزب «البعث»، ورغم أنني احترم كثيرا أفكار حزب «البعث»، إلا أنني لم أكن يوما منتميا إليه من قريب أو بعيد. ورغم أن الموقف ـ أقصد موقفي ـ كان محرجا إلا أنه أضحكني وأنا أقابل حتى من أصدقائي بنظرات دهشة.

لا تستطيع إلا أن تحب السودان فهو البساطة والطيبة والعطاء والجمال. يلتقى في الخرطوم نيلان: نيل أبيض وعلى الأصح فاتح اللون، ونيل أزرق وعلى الأصح غامق اللون، وهو منظر من أجمل مناظر الدنيا.


وعندما فاتتنا الطائرة كنا في غاية الغيظ لكن كل من قابلناه هلل سعادة، إنهم لا يريدون أن ترحل. احتفلوا بعودتنا كما لو كانت أول مرة. وهمس لي السائق ميرغني خائفا أن يسمعه أحد: لقد دعوت أن تفوتكم الطائرة وتعودوا!


هذا بلد ليس في هذه الدنيا الشرسة
أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى السودان العام“