إستراتيجية هذا الوزير
تابعت مساء الجمعة الفاتح من يونيو 2012م وبكل اهتمام ما قدمه تلفزيون السودان في حلقة رائعة عنوانها (الإعلام..تحديات الراهن ورهان المستقبل) واستضافته معالي وزير الإعلام المهندس غازي الصادق الذي أتشرف برؤيته لأول مرة وكان لها انطباعا متفردا تمثل في ارتياحي المعنوي لهذه الـ (كرزما) الهائلة التي تجعلك تتابع الرجل بلا كلل أو ملل.
لكنني أشفقت على معالي الوزير الذي يواجه الكثير من العوائق والمنغصات وهو يتولى هذه الوزارة المتشعبة والحساسة كونها عنوان وواجهة الدولة وأمامه الكثير من الملفات الملتهبة التي تعترض إعلامنا القومي والخاص بصفة شاملة ، لكن صراحته وشفافيته أمام أسئلة صعبة جعلتني أكثر اهتماما بمتابعة المشهد.
تحدث عن الكثير من الفصائل الإعلامية بكل أشكالها وأطيافها، لكن تركيزي انحصر على الجانب الصحفي كونه يهمني كواحد منه ..فقد طرح الزميل الأستاذ رئيس تحرير الأهرام حلولا مناسبة لانتشال الصحافة السودانية من الهاوية سيما وان سقوطها سيكون كارثيا تترتب عليه عدة مصائب إنسانية واجتماعية منها أن العاملون بها من صحفيين وفنيين وعمال مهرة وآخرين عاديين سيفقدون وظائفهم وبالتالي تفقد أسرهم استقرارها الأمني والنفسي بجانب النكبة الإستراتيجية الخطرة التي تعقب انهيارها إذ سيصبح بلدنا الحبيب بلا صحافة وقد كان في الماضي يشكل أكبر نسبة للقراءة مقارنة بدول الجوار حتى أطلق علينا( أننا شعب نقرأ ) ولعلني وأنا في مهجري أنتهز هذه الفرصة متمنيا أن يكون لهذه المقولة وجه آخر ونحن أمة غنية الوجدان .. متقدة الأذهان.. وأعني وجه الكتابة حتى ندعو الآخر لإكمال المعادلة .. ليقول عنا في هذا العصر الاتصالاتي أننا شعب يقرأ ويكتب ولا يمكن ذلك إلا عن طريق الصحافة.
والصحافة عنوان الشعوب .. وحرية الصحافة وتمكينها تأسيس لسلوك اجتماعي لا يمكن له إلا أن يكون حضاريا .. لذلك يجب أن تنال هذه الصحافة أولويات أجندة السلطة فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
حقيقة أعجبني معالي الوزير حينما شاهدته يصغي باهتمام وتركيز وتفكير للأخ الزميل رئيس تحرير الأهرام الذي ركز على أهمية توفير الورق كحل جذري للمشكلة لأن الواقع يقول أن الصحافة السودانية تموت لهذا السبب .. واقتراحه الجيد أمام السيد الوزير أن تتبنى الدولة توريد ورق الطباعة بصفتها داعمة أو مستثمرة أو أي صفة أخرى إنقاذا للموقف الدقيق الذي تمر به الصحافة المحلية كان صائبا تماما.
لعل الوزير قد اقتنع بجدوى الفكرة متمنيا منه أن يراجع طرحه بضرورة تكوين لجان من مختلف فئات وقيادات الصحف والمجلس الأعلى والنقابة لأن في ذلك مضيعة للوقت بالنسبة للحالة الحرجة التي بلغتها هذه المؤسسات حتى قيل أن بعض صحفها قد توقفت تماما وأن هناك بوادر تشريد للعاملين ببعضها بعد عجزها عن تسديد رواتب عامليها وفشلها في تسديد تعهداتها المادية والأدبية تجاه الغير .. وإذا رجعنا إلى اقتراح السيد الوزير بضرورة الاجتماع بقيادات الصحف وغيرهم من الجهات المعنية فسيترتب على ذلك اجتماع تلو اجتماع بلا نتيجة حاسمة توقف هذا الشبح القاتل الذي يزحف بسرعة نحو صحافتنا.. وحينها سنقول نجحت العملية ومات المريض .. لذلك يتطلب أن يتجه معاليه إلى حل فوري لإعادة الحياة إلى هذه المؤسسات الموجوعة بتسريع فكرة استيراد الورق قوميا عن طريق الدولة وطرح ذلك على مجلس الوزراء بصورة عاجلة ولا أظن أن المجلس الموقر سيتأخر في قبول الفكرة والإسراع في تنفيذها إنقاذا للوضع المؤسف.
وأشكر معالي الوزير المهندس غازي الصادق على رحابة صدره ووضوحه ومصداقيته التي أتحفنا بها وهو يضع مبضعه على الجرح النازف الذي يبطش بمؤسساتنا الصحفية بصورة خاصة ودور النشر بصفة عامة.
وأخيرا هل يتفق معاليه مع نفسه حينما قال خلال المقابلة أن الصحافة
هي السلطة الرابعة وأعقب مستدركا.. بل هي الآن في مرتبة متقدمة أكثر من الرابعة.. وإذا اتفق هل في يده إنقاذها فقط بتأمين مداخيلها وعلى رأسها الورق الذي هو الرئة التي تتنفس به.. عشمي كبير في سعادة الوزير.. وما أقسى - سيدي - موت مطبوعة.
وقفـــة:
أتمنى أن يوفق معالي الوزير في تطبيق إستراتيجيته الإعلامية التي أحسن الظن بها فأقول أنه سيأتي - بإذن الله - أكلها.
والله من وراء المقصد.
