شبق غذائي
قبل ليلة سبقت رمضان .. ( سريت ) باب مكة لشراء ما يلزم .. ( نحن شعب نجوع ونعطش عند نهاية شعبان ) .. سوق باب مكة في تلك الليلة العتيقة كان مهرجانا يغلي ويمور.
هبطت السوق وحدي وقد أوصاني أبي منذ مئة عام أن لا أنزل الأسواق بصحبة ( الجماعة).. وقتها لم أسأله السبب.. لكنني أدركته مؤخرا بعد نزولي باب مكة (سنكل).. هل أبي كان حكيما أم سبقتني تجاربه الرهيبة ..؟! لاأدري.
داخل احد المحلات .. انتصب بائع ينادي.. السوق يئن تحت وطأة الكعوب العالية والواطيه.. نساء .. نساء .. نساء.. الرجال قليلون هنا .. حسبتهم قد ابتلعتهم الحياة..!
( شعبان ) يسرع في الركض إلى الوراء .. يسرع .. يسرع.. يسرع.. لأنه (قصير).. والنساء يسرعن إلى الأمام في آخر ليلة من شعبان..
- زح..!
قالتها لي أكثر من ألف امرأة في تلك الليلة التي غاب فيها وجه القمر.. داخل باب مكة لا تصطحب عند نهاية شعبان امرأة .. فالمكان هنا ظرف طارئ والمكان هنا حابل ونابل.
- هات .. وهات .. وهات ..
مكرونه.. تونا.. رز.. زيت .. أبو قوس .. أبو جمل .. زبيب.. تين .. زيتون.. مشكل .. جبنه .. حلاوة .. فستق.. فول.. سكر.. كريمة .. كستر.. بسكوت.. معمول.. قطايف.. زبده .. كمون .. كسبرة.. وهات .. وهات .. وهات.. (سمعيه بالملصية ) هذه أسمعها لأول مرة ولم أدركها.. الشراء هنا بالكرتون والجملة وكأن هؤلاء النسوة لم يذقن طعاما أو شرابا منذ عام ..!
وقفت مشدوها في أكثر من محل .. فهذا الشبق الغذائي أثار غرائزي وجرى في دمي .. تذكرت شيئا
ما كان أحلى أحاديث الهوى
إن كنت لا تذكر فأســأل فمك
تـمر بـي كأنــنــي لـــم أكــن
ثغرك أو صدرك أو معصمك
لــو مــرّ سيـف بيننـا لم نكـن
نعـلم هـل جـرى دمـي أودمك
باب مكة في هذه الليلة الأخيرة من شعبان زحمة .. هنا فقط أمكنني أن أشاهد الجبروت والضعف في آن واحد .. قلت: جئت هنا لأشترى حبه حبه وأمضي .. لكن زجرتني أكثر من امرأة ..
- زح .. ثم هات .. وهات .. وهات..!
أين ( أزح ) يا امرأة .. أأطير مثل الخفافيش إلى الأسطح القديمة المهجورة المجاورة.. أم انتحر هنا بجرعة (توت ) منتهية الصلاحية..؟!
رغبة النساء خطر يهدد حياتنا وجيوبنا .. يزحف ببطء وعربدة نحونا ينشف ريقنا في هذا العصر الصاعد نحو الهاوية .. عصر الفضائيات والاسترتشات والرقميات والبلوتوثيات وكل الأشياء غير المتوقعة.
وقفة:
يتكرر المشهد كل عام .. سامحونا .. و .. زحو ..!
