الشيخ محمد ودالرضي ولد الشيخ الشاعر بالعيلفون عام 1884 من اب ينتمي الى قبيلة العسيلات وام تنتمي الى الشيخ ادريس ودالارباب توفي عام 1982 بام ضوابان نشاء في ام ضوابان حيث حفظ القران على يد الخليفة حسب الرسول ودبدر ...اب غرة بدا يقرض الشعر وهو ابن العاشرة
مقدمة: بقلم/ د. هاشم عبد الرازق الشيخ صالح
السفير بوزارة الخارجية السودانية
بين تمتات بوح كلمات صبى الخلوة الأولى بالحكمة والموعظة الحسنة الناضحة ومجالسة شيخ الحيران، لكتابة أول منشور شعرى سرى (شيخنا قال لينا اتو حرفتو وبين (أين سمنى يا نحولي) إمتد موسم القد جدنا - الراحل المقيم محمد ود الرضي المستدام، وانطلق نهراَ خالداَ نمى على ضفتيه ابداع أمة باسرها. دفتر من تدوين الخلود مفتوح لم يسقط سطر من سطوره إلى الغبار، موجات النهر الهادر تحمل النماء إلى عروق الشعر السوداني، ترفده بكل لون وتنبت كل زوج بهيج، على ضفتى النهر تناثرت ظباء السودان خفرات، رائعات، ساطعات، يطرن بألباب الشعراء والعاشقين إلى عالم اللاعودة .
الكتوف واقعة
والعيون يا ناس مويتن ناقعة
الوجن قادحات في الظلام فاقعة
راجى شباله وراضى بى صاقعة
وعلى ضفتى النهر أيضاَ شب نخيل الثبات وجبال الصمود، فكات الجبال (الماظ) وأصحابه والنهر يكتنفهم جمعاَ – الضباط قاموا – وتوثيق الرباط شمالاً بالدم حين أجبر الجيش المصري على الرحيل شمالا فصلاً بين نبض شمال الوادي وجنوبه. يا حليل الجيش الراحل ثم تنبت نخلة الاستقلال خضراء رائعة ويفتح الازهري سفر الخلود. شجرة الاستعمار هزيته وقلعت عروشه. وما بين الغناء للعيون النجلاء السود واطلاق انفاس الحماسة وتسجيل ملاحم الوطن وابطاله زوداً عن حماه انبجست عيون الحكمة والموعظة الحسنة ومكافحة الادوار الاجتماعية ينابيعا زلالا من بين شفتي ود الرضي مكملة اطار صورة الشاعر الكامل المتعدد الألوان والمتمكن من كل اغراض واعراض الشعر بل صياغة شفيفة سهلة سائغة للشاربين .
كان حظي أن عشت على ضفة النهر في العقدين الاخيرين من انسيابه ورأيت وسمعت ولمست كيف يكتب الشاعر الفذ الشعر ويتنفسه ويعيشه في كل لحظة، ثم أيضاً كيف يكون الشعر سلوكا ورسالة. ورأيت وسمعت ولمست شيخا عابدا متبتلا ذاكرا ناطقا بالحكمة والمواعظة الحسنة دون فقأ لعين المخطئين ولكن في رقة الشاعر وسماحة الداعية. ورأيت ولمست وحصدت ثمار عمل لم ينقطع زيته، عفاف وتقى وحمد، وشكران بل افاءة من قليل الوارد على الأهل والاحباء والاصدقاء وعكس النهر مسار الامواج بمفاهيم كثيرة الا وهي ان الشاعر عليه يقع عبء إجازة المبدعين الآخرين بالجوائز السنية، كانت الثياب الانيقة وقوارير العطر تخرج من بين وسادة الشاعر الضخم جوائز لكل مبدع جديد قادم القى على مسامعه قصيدة دبجها أو رواية ألفها او مديح للمصطفى صلى الله عليه وسلم .
بين ود الرضي الشاعر والشعر الحياة نسيج متقن متلاحم لا فواصل فيه ولا هوامش فحياة ود الرضي هي الشعر وشعره هو الحياة .
جلسنا بين ايديه زمانا رغداً فجارانا في شبابنا بما أدهشنا رايناه وبين ايديه الاحبة جمعا في الخالدين العبادي وعتيق وعبيد عبد الرحمن وحدباي وأخر العناقيد المضئية حسن الزبير متعه الله بالعافية كانوا يضربون إليه اكباد المسافة من ام در حتى (ام ضو) ويديرون عكاظهم ونحن بين ايديهم نتخلل الحديث ونستدعي وهج ذاكرة لا تغيب لاننا كان لنا بعض إدراك ان بين ايدينا بوصلة وجدان السودان وشهدنا ميلاد الشعر الطازج في الاصيل من ربيع عمر الشاعر الممتد.
المثبوت في السطور من شعر شيخنا ود الرضي والمنشور على ضخامته لم يحو كل حياة الشعر التي عاشها ولكن إن لم ننل الفضل كله فأقله وبين يديك القارئ العزيز المزيد من شعر ود الرضي الجديد جنباً إلى جنب الى ما سبق تحصيله في المدونات ورحلات ماكوكية الى عشاق ورواد شعر شيخ المبدعين في كل شبر من اشبار السودان ثم السعي اليه وتنقيح ما سبق نشره وتصحيحه، بدأ بها مثابرة الاستاذ الطيب محمد الرضي الوارث المقام والنفحة.
وندعوك الي مائدة الشاعر الخالد محمد ود الرضي الرائعة المختلفة الطعوم المتجددة الخالدة، وتقريظ شعر ود الرضي هيهات فذاك شأو بعيد لا يدركه احد ونقف عند الحواف مستمسكين ببصيرة استاذي البروفسير عبد الله الطيب المجذوب حينما رأى بين يدي أبيات شعر لجدي الشاعر الضخم احاول معالجتها بما علمنا استاذنا البروفسير من علم العروض فبادرني (يا ابن عبد مناف لا تثريب عليك لا تثريب عليك ان شيخنا محمد ود الرضي قد اتي بما يعادل التفعيلات الاثنتا عشر ومفاعيلها في بيت شعر واحد لو ادركه الخليل لشهق اعجابا. وما كنت احسب استاذنا عبد الله الطيب أنذاك من المعجبين بود الرضي وازدادت دهشتى حين سمعته يردد بيت تلك المفاعيل حين ردد:
رائع واحل تايه غافل .. لادن هادل ضامر كافل
رحم الله جدنا ود الرضي في الخالدين ومكننا من الحوس في اخبية شعره المتجدد .
ولد الشاعر محمد ود الرضي بالعيلفون عام 1884م من أب ينتسب الى قبيلة العسيلات (الرفاعيين) وام تنتسب الى أسرة الولى الصالح الشيخ إدريس ود الأرباب (المحس) نشأ وترعرع بالعيلفون وتلقى أولى جرعات المعرفة بخلوة الشيخ إدريس ود الأرباب بالعيلفون ثم انتقل مع والده إلى أم ضواًبان فاكمل حفظه القرآن الكريم بخلوة الشيخ العبيد ود بدر على يد الخليفة حسب الرسول ود بدر .
قرض الشعر وهو طالب بالخلوة ولم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره وقد تأثر في بدايته الشعرية بالنمط الشعبي المسمى (بالدوبيت) نظمه متغزلاً ومادحاً وواعظاً ومرسلاً بعض الحكم وله في ذلك قصصاً كثيرة ووقفات مع الخليفة حسب الرسول الذي أطلق عليه لقب تنبيه الغافلين .
نظم على نهج الدوبيت ردحاً من الزمن لكن عبقريته الشعرية ونبوغه المبكر جعلاه يختط لنفسه أسلوباً جديداً ونمطاً مغايراً للنمط السائد خاصة في مجال الشعر الغنائي والنسيب. فقد كان الطنابرة يتغنون بالبيت الواحد أو البيتين مع التكرار، معتمدين على الايقاع الصاخب والمثلثات والعصي مع الصفقة بالإضافة إلى الأصوات القوية الصادرة من الحناجر بنغمات متواترة ومتناغمة على أربعة أنماط - الخفيف – المتوسط – المشيقح – والتقيل وكل له وزنه الخاص به وإيقاعاته مثال ذلك من المتوسط.
الليل ياليل الليل ياليل الليل ياليله
جات تمشي الرتوع الليله درب أثنين
كالضابط المركب تاج ودبورتين
النقرابي كتل الفيل درب يومين
أخذ من الطنابرة أسلوبهم فنظم عليه القصائد الطوال التي حالما تلقفها الفنانون وشدوا بها إبداعا وترنيما وفي مقدمتهم الفنان عبد الله الماحي فذاع صيتها وبدأت بها شهرة – ود الرضي الغناي – وأولى قصائده في هذا المجال قصيدة (جاري) ثم تبعتها قصيدة بت وهب وجده وصرت كالفاني وغيرهن .
اشتغل ود الرضي في الزراعة مساعدا لوالده وقضى بجانبه فترة ليست بالقصيرة. كبر شاعرنا وكبرت معه مسئولياته وأخذ ينظر إلي الحياة نظرة مستقبل مرجو والي المستقبل نظرة شاعر طموح لا يألوا جهداً في سبيل أن يتبوا مكانة أسمى ولم يرضي طموحه عمله كمزارع صغير يعتمد في زراعته على نجاح فصل الخريف فشد عصا الترحال في أول هجرة له إلى العاصمة حاملا معه سلال القرع متلفحاً بالتوب الزي المعروف في تلك المنطقة .
تعرف أول ما تعرف من الشعراء بالشاعر احمد حسين العمرابي الذي كان يعمل ترزيا في دكان والده نمت بينهما صداقة متينة ساقته إلى مجالس الشعراء فتعرف على العبادى الذي اوصله بدوره الي بقية الشعراء البارزين أمثال الخليل وأبو صلاح والمطبعجي وأخذ يؤم مجالسهم ومنتدياتهم الشعرية التي كانت تقام بالمقاهي وبعض منازل التجار المشهورين بالخرطوم وأم درمان.
كان كل شاعر يرغب في الانضمام إلي سلك الشعراء عليه بالخضوع لامتحان يضعه له أحدهم فتعين علي ود الرضي ذلك فنظموا له مربعا في حرف (الزاى) مع تكرار الحرف داخل المربع إمعانا في التعجيز وقيل أن ناظمه الشاعر عكير الدامر وقيل العبادي ونحن نرجح العبادي لما عرف به هذا الشاعر من سلاطة في اللسان وقوة في السبك يقول:
عكت جات تميل من الأرض خزازه
زينت الخلقة داب ماحسبن بزازه
دارت ليها داروه الفي الرزم عام زازه
شفنا الدقة والزرزور فصل حزازه
فلم يتردد ود الرضي بل أخذ القلم وكتب على التو:
قاده غزيز زراقه زاولنا جيده غزازه
صارت تعترينا جنان وصرنا جزازه
صرنا كزى زوال والقلب ذاب واتزازه
زارت الزام زبرجده من فميله غزازه
هالتهم شاعريته وسرعة خاطره فأجازوه بالاجماع وانخرط في عقد الشعراء من حينها يتردد على منتدياتهم وكان دوامه الدائم منتدى شعراء الخرطوم بدكان الفاضل الشيخ ومنتدى قهوة الواثق ويؤمها من الشعراء العبادي وعبيد والعمرابي وسيد ومن الفنانين عبد الله الماحي وسرور، ومن الطبيعي أن ينسجم معهم وتصبح له مكانة بارزة بينهم ولفتت أنظار المطربين فغنى له سرور دمع المحاجر قرن أولى قصائدة وغنى له عبد الله الماحي قصيدة حبابو للكدر زايل واحرموني كما غنى له إبراهيم عبد الجليل قصيدة يلوحن لى حماماتن وفي عهد ازدهار الحقيبة وسموقها اشتهر ود الرضي بالرميات التى لا يكاد ينافسه فيها احد من الشعراء وكانت تجد الاستحسان عندهم وعند الفنانين .
أخذ ود الرضي يتردد بين أحياء العاصمة حاملاً سلال القرع ولكن نفسه القلقة لم تتركه يهنأ ولم يهدأ له بال فأخذ يتحين الفرص حتى لاحت له فرصة للعمل في خزان مكوار (سنار) وقيل سيق لأمر سياسي وقيل لأمر اجتماعي وقيل للاثنين معاً، وعمل بخزان مكوار حال إنشائه عام 1919م في وظيفة رئيس طلبة فكان ذلك مفتاحاً لبعض ما تمنى ولمستقبل يرجو إلا أن القدر كان له بالمرصاد وكأنه لم يرد له أن يهنأ فلم يطب له المقام في مكوار إذ لم يجدها كما تصور وخاصة أن طبيعة عمله الجديد تتطلب وجوده على استمرار بعيداً عن الأحياء السكنية والتجمعت والتجمعات السكانية فعاش حياة موحشة افتقد فيها لياليه السامرة .
مكوار الظلام بظبية ما ضفتينا
ولابى طيف خيال الناعسات طفتينا
لسنا من عسكرك لو تنصفي ترفتينا
والمستاذي يؤجر .. صبر يا مفتينا
من فارقتكم تهطل دموعى صبويه
خفقان قلبي كالهبابة حين هبوا به
لا أخ لا صديق لا جلسه محبوبه
لا سر لا قريب لا جد ولا حبوبه
هجر الزواج وفكرة الزواج سنينا طويلةرغم إلحاح ذويه وفي عام 1938م اقتنع ود الرضي بالزواج فتزوج (بتول) بنت أخيه محمد على موسى وأسس لها منزلاً كبيراً بام تكالى ليكون بجوار والده ثم ساقته الظروف للرحيل إلى أم ضواًبان فعاشا بقية عمرهما هناك وأنجبا من البنات اثنين .. رحمة والدلسة ومن البنين اثنين الطيب والرضي وكأن الزمن لا يريد له الهناء ولا حياة الاستقرار ففاضت روح زوجه عام 1951م فحزن عليها حزنا عميقاً ولم يفكر بعدها في الزواج إلى أن توفاه الله فعاش على ذكراها وكتب وغنى .
ست البيت بريده براها
ترتاح روحى كلما أطراها
الدارس لشعر ود الرضي يجده ينطلق من تراث قومه المتمثل في العقيدة والأخلاق ويتجلى ذلك واضحاً في شعره عموماً من غزل ومدح ورثاء وهجاء ساعدته في ذلك تربيته الدينية ونشأته الريفية وانطلاقه منها ويلاحظ أيضاً أثراً يبدأ ضيئلاً ثم لا يلبث أن يشتد ويقوى ويكون له صدى عميق لرنين في شعره ذلك هو الأثر الاسلامي. فكثير من تعابيره الشعرية والفاظه تكاد تكون صوفيه المنشأ فالدراسة الدينية التي تلقاها في الخلوة وعكف على تنميتها والحياة التي عاشها في الظلال الصوفية بامداحها وأذكارها لازمته في نظمه وظهرت سماتها بارزة وواضحة في جميع قصائده بلا إستثناء وليس أدل على ذلك من قصيدة أحرمونى التي بدأها بسنة من سنن الإسلام وهى السلام .
احرموني ولا تحرموني
سنة الإسلام السلام
أما قصيدة (بريدك) والتي نظمها في الستينات وعمره قد تجاوز الثمانين نجد ذلك الأثر قد تمدد وظهر في تعابيره وألفاظه القرآنية وإشارته الواضحة ورموزه .
تميس متزنه خطواتك مشى الناسك على المنبر
حماك قرينك المسلم إذا فلنبك نستغفر
لاقى في الشفاء ألوانا وذاق ومن معه صنوف العذاب ومرارة الغربة فبكي الفراق واشتياق المزار فنذر نذرا ضمنه متى مزارى .
وهو في غربته هذه وعذاباته تلك يعالج بالشعر مرارة الاغتراب ويناجي في لياليه خيالات الحبيب أتته رسالة من صديقه الصدوق ورفيق دربه عباس ود كندورى مشفوعة بفوطة من الكستور الجميل مملوءة بالكعك والخبيز وبعض الحلوى زادا له في غربته هدية من أحبائه بام ضواًبان بان أثرت الراسلة في نفس الشاعر وأثرت قريحته بجيد أشعاره مشيراً فيها لصديقه عباس بحرف العين .
يا (ع) شوقت قلبي وهن دموعى يصبن
يا (ع) تركتني وكأني ملقى في جبا
تذكاركم ايا (ع) بفاكهة وابا
الله والكسيتير كدت أبلعه حبا
يشده الشوق إلى أحبائه والحياة التي تركها ولم يجد متنفسا ينفس به ما في صدره سوى الشعر والمناجاة وحلو الأمانى فتلوح له في الأفق حمائم فيناجي ويصدح وتهمى دموعه حرى.. يلوحن لي حماماتن ولم يجد له ملاذاً سوى ان يحمل الطير رسائله ونفاثة صدره .
يا طير ان مشيت سلم على البنحبو
وخص بذلك ناس المقرط حبو
قول ليهم مكوار مجينا ولا رحب بو
والبطيخ بعد ما ناكلو بنقشر حبو