بعد خروج عنترة مع أخيه شيبوب تاركين قومهم بعدما
سمع عنترة بأذنيه نكرانهم لأفضاله بدا يسابق الريح
صامتا هادئا حزيناً وأخوه شيبوب يجاريه على حذر ولا
يكاد يهمس معه لعلمه بان عنترة يكابد لوعة فراقه لعبلة وسوء صنيع العبسيين معه وقد بات الأخوين على تلك الحالة قرابة 9 أيام يأكلون من نبات البرّ وصيده ولا يتكلّمون في شئ إلا أنه وخلال تلك الفترة
وأثناءها سمع شيبوب صوت نجدة مستعجلة فتملّكه
التوجّس والقلق فأخبرعنتر بذلك فانطلقا الاخوين يبحثان عن مصدر الصوت فإذا به صوت عجوز مسكينة ضعيفة تستغيث وتصيح مما بها من ألم ووجعة
كان بعض المغيرين قد أغاروا عليها وقتلوا شيخها
وأولادها وسبوا بناتها وأخذوا طريقهم إلى ديار بني طي فلما ذهب عنترة وشيبوب إليها أخبرتهما بحالتها
المزرية فدبّت كما هي العادة العنترية في عروق البطل
ألوان الغيرة والغضب وأقسم على اللحاق بالمغيرين للنيل منهم والانتقام لتلك العجوز الضعيفة وإعادة أسلابها إليها وقد طلب عنتر من شيبوب البقاء قرب العجوز لحراستها من أي غارة مفاجئة بينما لحق عنتر
بالمغيرين وقد تعثر سيرهم طلبًا للراحة وتقسيم ما اغتنموه من أسلاب العجوز بينما لحقهم عنتر ووصل إليهم كالبرق الخاطف والرعد القاصف فلما رأوه فريداً
تضاحكوا فيما بينهم وتداولوا السخرية بأنهم قد فازوا
بغنيمة جديدة فقال زعيم العصابة الفارّة الغائرة ويدعى
" الصّــــــدّام " :
ليذهب أحدكم ويأتينا بخبر هذا الغريب المقبل فيقتله وياتينا بسيفه وحصانه !
فذهب أحد الجهلاء يتبختر في مشيته وعنتر ينظر إليه
فسال عنتر :
من أي العرب أنت ؟ أجبني ثم سلم سيفك وحصانك
وامض إلى شأنك وإن لم تفعل أزهقت روحك هيا تكلم
فظل عنتر يطيل النظر إليه فلما رآى صمت عنترة عليه
أخرج سيفه فلم يكد يرفعه عاليا وإلا وقد سبقه عنترة
فأزال روحه من الوجود وأطار هامته بالفضاء فلما رأى البقية حال صاحبهم هجموا على عنترة هجمة رجل واحد ما عدا زعيمهم الصّدام ظل واقفا ينتظر من
عصبته أن يأتيه أحدهم برأس عنترة في غارة من الغارات فتكالبوا على عنترة فزعق فيهم زعقة جلجل
صداها بالآفاق ونزل فيهم قتلا وتمزيقًا وقد اعتلى غبار المعركة فلم يعد الصدام يبصر شيئا من رحاها فلما انجلت الغبرة تأمّل الصدام أن يرى احد أصحابه جالبا له خبر هذا الغريب لكنه خاب ظنه فلم يرى سوى عنترة يتخطى ذرات الغبار المكشوف كي يصل للصدّام
فلما رأى الصدّام عنترة أمامه اعتلاه الذهول والدهشة
من فعاله فتقدّم نحوه وسأله :
من تكون من العرب يا فارس الفرسان ، فلقد أعجبني
بأسك وشدة حربك ! فلتجلس معي لأقاسمك الأسلاب
والخيرات
فأجابه عنترة بن شداد :
أنا عنترة بن شدّاد وأظن أن هذا الاسم يكفيك !
وسرعان ما فاجأ عنترة خصمه بطعنة خارقة قطّع
بها أوصاله وكان شيبوب قد أقبل بالعجوز وبدأ عنتر
يجمع الأسلاب والغنائم المغتصبة ويعيدها وقد أخذ
الثلاث فتيات إلى والدتهن العجوز وقد اجتمع شملهن
بعد فراق واتجهت العجوز صوب عنترة وهي لاتدري
كيف تشكره فطلبت منه وبألحاح النزول بضيافتها
حتى تردّ له شيئا من معروفه فحاول عنترة ملاطفتها
أملا في أن تتركه يذهب إلا أنها طلبت منه أن يعتبرها
كوالدته فتذكرعنتر والدته وانكسر قلبه فقبل ضيافتها
فلما اكتملت فترة الضيافة سارعنترة بتلك الأسرة
الصغيرة ليوصلهم إلى ديارهم حفاظا على سلامتهم
من خطر الطريق وكان عنتر قد حدث العجوز وزوجها
بما يقاسيه من نكران اهله له وعدم اعترافهم بصنيعه
لهم وكيف فارقهم ماقتا لفعالهم فتوجع الزوجان على
حال عنترة وقالوا له :
يا فارسنا البطل ، إن حكايتك أوجعت قلوبنا وأنستنا فقد أولادنا وكنا نودّ لو تقبل إحدى بناتنا زوجة لك وتعيش معنا ونكون من خدّامك مدى الحياة
فشكرهم عنترة على وفائهم وحسن ضيافتهم وأخبرهم
أنه لا يستطيع أن يرى أحدا من النساء سوى عبلة وسيسعى جاهدا بقية حياته لنيل وصالها وكان الجميع
قد وصلوا إلى ديار بني الحارث فودّعهم عنترة وانصرف مع أخيه شيبوب إلى شأنهما .
[/align] 