أبريل انتفاضة ملفوفة بالنسيـان..!!
[align=center]

الخطوة التي قام بها الفريق عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب ورفاقه باستلام السلطة في السادس من أبريل 1985م كيف تفسرها، هل انجازوا فعلا للشعب؟ أم أن جنرالات مايو أنقذوا أنفسهم في اللحظة المناسبة؟ وهل يمكن اعتبار الخطوة أنها حركة لامتصاص غضب الجماهير؟
اللواء حمادة:
التفسير الوحيد لهذه الخطوة أنها تلبية لنداء الواجب والوطن والضمير والاحساس بالمسؤولية. وبأية حال لا يمكن تفسيرها بأنها محاولة لامتصاص غضب الجماهير، لأنها إن كانت لهذا السبب لاستمرأنا الحكم بعد أن هدأت الثورة. الأمر الثاني إن كان غرضنا إنقاذ أنفسنا لشرعنا في إجراءات حماية أنفسنا، وليس ثمة مبرر للخوف في الأساس حتى يكون تصرفنا مبنيا على إنقاذ أنفسنا. والدليل على هذا أننا أوفينا بوعدنا وسلمنا السلطة، وهذا مثال للزهد والوفاء، ويوضح أننا لم نكن نخشى شيئا. والخلاصة أننا انحزنا للشعب. وشاهدي أن هدف الانتفاضة كان إزالة الحكم المايوي، ونحن قمنا بهذه الإزالة، واتفقنا على أن نحكم في فترة انتقالية حددت بعام واحد، ونسلم بعدها السلطة إلى ممثلي الشعب عبر انتخابات ديمقراطية، وهذا ما تم بالفعل. والشاهد من خلاصتي أننا انحزنا للشعب في أبريل 1985م عندما أعلنا نهاية نظام مايو، ثم انحزنا للشعب مرة ثانية في أبريل 1986م حين سلمنا السلطة لممثليه، بعد انتخابات ديمقراطية نزيهة، ولم نخرج في الانحيازين عن كوننا مواطنين سودانيين لبوا نداء الضمير. وتحرك القيادة العامة كان منعا لتحرك الضباط الصغار ذوي التوجهات السياسية. ومن هذا المنطلق قد يكون التحرك إنقاذا للنفس، وبالنتيجة والسلوك يمكن اعتباره امتصاصا لغضب الجماهير. د. أمين مكي: كلمة «انحياز» القوات المسلحة إلى جانب الشعب كما وردت صباح السادس من أبريل 1985م، وثبتت في الأذهان منذ ذلك الوقت لم تكن موفقة، إذ أنها تعني بالضرورة الموازنة بين طرفين واختيار احدهما، الشيء الذي لم يكون وارداً، أو ما كان ينبغي أن يكون، أو أن الطرفين ـ أن صح التعبير ـ كانا بالضرورة الثورة الشعبية ونظام نميري. إذن كيف يستوي أن تكون هناك موازنة ثم «انحياز»، فالقوات المسلحة بالضرورة طرف مهم من القوى الجماهيرية، ولا بد من وقوفها مع الشعب والتصدي لقضاياه في كل الأوقات والظروف. وعلى الرغم من ذلك ومن الناحية الموضوعية، كان من الواضح تماما بعد موكب الأربعاء 3 أبريل 1985م، وهذا في تقديري عيد الانتفاضة الحقيقي، ونجاح الإضراب السياسي ووحدة الحركة الشعبية المناهضة، تأكد أن النظام المايوي قد انتهي في ذلك اليوم، وأن الثورة ماضية في طريقها نحو التغيير مهما كان الثمن. ومن هذا المنطلق كان بيان القوات المسلحة تتويجا للانتصار، وربما حقنا للدماء التي هب الشعب بأكمله ليدفعها ثمنا للحرية والديمقراطية. أما السؤال عما إذا كانت قيادة القوات المسلحة قد تحركت لامتصاص غضب الجماهير أم إنقاذ بعض القيادات بإظهار التنصل من صلتها أو دورها في النظام المايوي، فهذا سؤال اعتقد تكمن الإجابة عليه وسط تلك القيادات والأدوار التي قاموا بها في الانتفاضة، والقناعات المتفاوتة أو التردد في اتخاذ القرار من بعض تلك العناصر، ولا اعتقد أن من كان خارج تلك الحلقة في ذلك الوقت بالذات يمكنه أن يجيب على ذلك بقدر كبير من الصحة. د. الحردلو: الخطوة التي قام بها الفريق سوار الذهب ورفاقه، لا تتوفر حولها المعلومات الكافية حتى هذه اللحظة. والسؤال الذي تجب الإجابة عنه هو ماذا حدث في الأيام الثلاثة التي أعقبت موكب التجمع النقابي في 3 أبريل 1985م داخل القوات المسلحة؟ هناك روايات من بعض أعضاء المجلس العسكري الانتقالي، انتشرت على لسان رواة كثيرين يصعب تحديد هويتهم، فمثلا هل صحيح أن الفريق سوار الذهب نفسه كان مترددا في اتخاذ الخطوة؟ هل صحيح أن الفريق تاج الدين عبد الله وضعه أمام الأمر الواقع عندما خاطبه بأنه سيأخذ مكانه؟ وهل صحيح أن الضغط جاء من ضباط غير الذين كونوا المجلس العسكري الانتقالي، وأنه لولا تحرك القيادة لكان التحرك من ضباط آخرين من مختلف التوجهات السياسية؟ وهل إبعاد القائمة الأولى من ضباط القوات المسلحة مرتبط بهذه المقولة؟ وهناك سؤال عن الاتصالات التي تمت خلال الأيام الثلاثة ومع من كانت؟ هل كانت مع اللواء عمر محمد الطيب كما قالت بعض الشائعات؟ هل كانت مع بعض قادة الأحزاب التقليدية مثل السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني؟ وهناك روايات تفيد بأن بعض الضباط الكبار اتصلوا بهم. وثمة أسئلة أخرى، لماذا أحيطت الخرطوم صباح السبت السادس من أبريل 1985م؟ هل لتوقع وصول نميري كما فهم اللواء عمر محمد الطيب؟ أم لمنع المواكب من دخول الخرطوم؟ من الذي كان يتوقع تحرك القيادة العامة؟ وحسب معرفتي الوثيقة داخل التجمع الوطني آنذاك، لم يكن أحد في التجمع يتوقع تحرك القيادة العامة. وتحرك القيادة العامة كان منعا لتحرك الضباط الصغار ذوي التوجهات السياسية. ومن هذا المنطلق قد يكون التحرك إنقاذا للنفس، وبالنتيجة والسلوك يمكن اعتباره امتصاصا لغضب الجماهير. توقيت هذه الخطوة- من وجهة نظرك- هل كان له علاقة بمتغيرات خارجية مثل زيارة نائب الرئيس الأميركي جورج بوش، أو داخلية مثل اعتقال قادة الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي؟ اللواء حمادة: نقطة انطلاقنا كانت من الواقع السوداني، وقناعاتنا بأن النظام السابق لم يعد صالحا للحكم، بل كان وبالا على السودان، وتحرك الشارع بكافة فصائله وتجمعاته كان مؤشرا لهذا. وفي هذا الجو تولدت أسباب التغيير، ونحن في القوات المسلحة لم ننطلق من أي توجه حزبي أو عقائدي، بل إن توجهنا كان من أجل السودان. والجانب الآخر الذي اتعرض له بالتوضيح، هو أن القوات المسلحة هي المؤسسة القومية الوحيدة التي يعمل بها كل أبناء السودان، وهذا هو توجه القوات المسلحة الذي اتمنى أن يستمر دون أن يحدث فيه أي خلخل. ومن توجه القوات المسلحة انطلقنا تجاوباً مع الشارع السوداني الذي حركته أسباب موضوعية، وتوجهنا انطلق من حركة الشارع، ولم تكن له أية علاقة بمتغيرات داخلية أو خارجية، فضلا عن أن واقع الحال ينفي مجرد التفكير في هذه العلاقة.
د. أمين مكي:
على الرغم من أن الكثير قد قيل عن أن الانتفاضة كانت بتدبير مسبق وتوزيع للأدوار تحدد سلفا، أو انقلاب قصر فوقي، وتغيير في القيادات السياسية، كإزاحة الإخوان المسلين عن السلطة السياسية، وارتباط هذا أو ذاك بزيارة نائب الرئيس الأميركي جورج بوش وبعض من قابلوه أو رفعوا إليه المذكرات، وهم معروفون وينبغي عليهم أن يعلنوا غرض ونتائج تلك المقابلات والدوافع التي حدت بهم لمقابلته.. كل هذه الظروف والعوامل الخارجية لا شك في أنها ذات صلة بما كان يدور في الساحة السياسية آنذاك، ومؤشرات بداية نهاية نظام مايو بقيادة جعفر نميري، إلا أنني على يقين كامل بأنه ليست هناك قوة في الأرض مهما بلغت من حكمة وبعد نظر وقدرة على التدبير والتخطيط، يمكن أن تدعي أو تسند إلى نفسها توقيت اشعال نار الانتفاضة، والتحرك الشعبي الذي بدأ في السادس والعشرين من مارس 1985م، الذي كان نتاج انفجار بركاني لثورة جماهيرية أصيلة.
د. عدلان الحردلو:
أميل إلى الربط بين تحرك القيادة العامة وزيارة نائب الرئيس الأميركي جورج بوش واعتقال الاخوان المسلمين، وأن ما كشفت عنه محكمة الفلاشا يوضح تدخل الجهات الخارجية وتخطيطها لزوال شخص استنفد أغراضه بالنسبة لها. وكانت تهم تلك الجهات معرفة وجهة التغيير القادم وقيادته في اتجاه مصالحها. ولا يستبعد أن يكون اعتقال الاخوان المسلمين من تخطيط جهات خارجية، بل أبرئ الرئيس الأسبق جعفر نميري من اعتقالهم، لأنه ليست هناك ثمة مشكلة حقيقية بين الاخوان ونميري، بالعكس كانوا مطيعين ومساندين، ولكن نميري أوهم بأن الخطر آتٍ من ناحيتهم. وأرجح أن يكون اعتقال الاخوان المسلمين قد تم بإشارة من بوش، حتى لا يكونوا في صف النظام عندما يحدث التغيير، وهذا يعني إنقاذا لهم. وفي تقديري أن الجهات الخارجية قدرت أن فرملة الثورة والوقوف تجاه التيارات اليسارية والراديكالية لن يقف أمامها إلا الاخوان المسلمون، باعتبارهم الجهة المنظمة الوحيدة في الساحة آنذاك، ومصلحتهم تلتقي مع المصلحة الخارجية في تحجيم اليسار والقضاء عليه. الميثاق الذي بموجبه تكونت الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري، إلى أي مدى التزمت به حكومة الانتقال في أداء مهامها؟
اللواء حمادة:
اعتقد أن الحكومة الانتقالية بتسليمها للسلطة في موعدها المضروب من قبل القوى الممثلة لقطاعات الشعب المختلفة في تلك الأيام، يعد أكبر نجاح. وكذلك ما قامت به الحكومة الانتقالية في إجراء «أنزه انتخابات» في تاريخ السودان، وكانت البلاد آنذاك تصارع المجاعة وتدرأها، علما بأن الانتفاضة ساعة نجاحها لم يكن في بنك السودان دولار واحد. أضف إلى هذا عودة اسم السودان في المحافل الدولية بإنجاز حضاري. وكذلك إضفاء الجو الديمقراطي في البلاد في مناخ معافى يدعو للتفاؤل والعمل. وأظن أن هذه إنجازات كبيرة جدا. ولا مجال للحديث عن الميثاق كميثاق، لأن كتابة الميثاق أي ميثاق شيء وتنفيذه أمر آخر.
د. أمين مكي:
أي تقييم لأداء الحكومة الانتقالية لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي واكبتها المرحلة، والضغوط التي تعرضت لها عبر المذكرات والاعتصامات والاضرابات والمواكب التي جعلت الحكومة في موقف تفاعل مع الكوارث، فكل ذلك أدى إلى تحجيم قدرتها على العطاء في إطار البرامج المطروحة في شعارات الانتفاضة وقصر المدة الزمنية.
د. عدلان الحردلو:
لم تلتزم سلطة الانتقال بالميثاق الوطني إلا في إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وبعض المحاكمات التي جرت لبعض رموز مايو التي دار حولها الكثير من اللغط في ما يختص بأداء النائب العام ولجانه. فيما عدا ذلك بالنسبة لتصفية آثار مايو- عموما- لم تلتزم سلطة الانتقال. وحتى في قضية الجنوب كانت هناك عراقيل وضعت من المجلس العسكري والحكومة في وجه الحوار الذي كان دائرا بين حركة الشعبية والتجمع الوطني. والخلاصة أن التزام سلطة الانتقال بالميثاق لم يكن التزاما كاملا، بل كان هناك تجاهل للكثير من المبادئ التي وردت في الميثاق.[/font][/size][/align][/b][/color]


